فهرس الكتاب

الصفحة 20931 من 27364

وفي خضم هذه المداورة العجيبة والدفاع المكشوف نجد أن كاتب المقال يتغاضى عن الفارق الشاسع بين الإسلام والمسيحية من جهة، وبين الداروينية والكوبرنكية من جهة أخرى، فالإسلام دين دعا إلى العلم والبحث وشجع عليه منذ بداية عهده، فلا يعرف ذلك الصراع الذي كدسته المسيحية المحرفة على مدى تاريخها الدامي، وهذا بشهادة أبناء الغرب أنفسهم، حيث يقول"موريس بوكاي"-صاحب كتاب (القرآن والإنجيل والعلم) -:"إن الإسلام قد اعتبر دائماً أن الدين والعلم توأمان متلازمان"… لذلك فلا دليل لمن يستغل ما يعرفه من تاريخ أوربا في عهودها المظلمة ليقوم بعملية إسقاطه بشكل عشوائي على الواقع الإسلامي دون مراعاة للفروق والاختلافات الواضحة في هذا المجال، إذ لا قياس مع وجود فارق -كما يقول المنطق الذي يدعي فؤاد زكريا انتسابه إلى أهله-، ومتى انتفى القياس كانت النتيجة باطلة، ومن ثم تتداعى الادعاءات العلمانية، هذه النحلة الغريبة التي يحاول أصحابها أن يجعلوها بدلاً للدين لأنها بزعمهم تعمل على تفادي الأخطاء التي يقع فيه حينما يقف في وجه النظريات العلمية!!.." (المرجع السابق) ."

ويقول الدكتور مفرح القوسي في رسالته (المنهج السلفي والموقف المعاصر منه في البلاد العربية، دراسة وتقويماً) (ص 657-666) :"الدكتور فؤاد زكريا: أحد رموز الاتجاه العلماني المتطرف، صاحب المقال المعروف (العلمانية هي الحل) رداً على دعوة (الإسلام هو الحل) ، وصاحب النظرية القائلة: إن الغزو الثقافي الغربي خرافة لا وجود لها (1) ، وأحد أبرز المعادين للمنهج السلفي ومنتقديه، فقد سخر من الاتجاهات الإسلامية المعاصرة الملتزمة بهذا المنهج، وادعى أنها بالتزامها به تُركز على التمسك بشكل الإسلام دون مضمونه، فهي -كما يقول-:"تركز كفاحها على الجوانب الشكلية من العقيدة، أعني: تلك الجوانب التي تتعلق باستكمال الشروط الشعائرية للدين والاستجابة لبعض الأوامر والنواهي التي لا تمس في الأغلب الحياة العامة في المجتمع، فكلنا نرى من حولنا أولئك الشبان أو الشابات الذين يركزون كفاحهم الديني على ميدان الملابس وأداء الفروض ومنع كافة أشكال الاختلاط بين الجنسين، وهم يحاربون في هذا الميدان بلا هوادة، ويعتقدون أنهم أرضوا ضمائرهم وأرضوا ربهم لو نجحوا -مثلاً- في قطع اجتماع من أجل إقامة صلاة المغرب، أو في فصل الطلاب عن الطالبات في قاعة المحاضرات، أو في الدعوة إلى ملابس تُخفي كافة معالم جسم المرأة باستثناء العينين في قيظ الصيف، أو في إثارة ضجة إعلامية هائلة تدافع عن تربية اللحى لدى الرجال" (2) . كما ادعى أنها في ظل أيديولوجيتها السلفية تفتقر إلى برنامج اجتماعي محدد المعالم يقدم خطة نهضوية قابلة للتطبيق في المجتمع الحديث، وتغفل معالجة المشكلات الحقيقية التي - كما يقول- يتعرض لها الإنسان المسحوق في معظم أرجاء العالم الإسلامي، كمشكلة العدالة الاجتماعية أو نوع التحالفات الدولية التي تخدم قضايا المسلمين أو أسلوب الحكم في البلاد الإسلامية، وكل ما لديها إنما هو: عبارات إنشائية ومبادئ هلامية شديدة العمومية والغموض، واستشهاد بحكم ومبادئ تفصلنا عنها مئات السنين (3) ."

-ويرى أن دعوة هذه الاتجاهات الإسلامية إلى التمسك بالمنهج السلفي والأخذ به ما هي إلا دعوة سلبية رجعية شديدة التخلف؛ تريد العودة بالمسلمين إلى الوراء وتثبيت الأوضاع المتخلفة التي تعاني منها البلاد الإسلامية، وأنه لا يجوز عد هذه الاتجاهات ضمن (اليقظة الإسلامية) أو (الصحوة الإسلامية) التي قامت مؤخراً في البلاد الإسلامية، لأن هذه الاتجاهات في دعوتها تلك ما هي إلا نوم لا يقظة، وموات لا بعث، ونكسة وغيبوبة تنسب إلى نفسها القدرة على البعث زوراً وبهتاناً، ولا هدف لها إلا إرجاع الزمان إلى الوراء والوصول بالمسلمين باسم (الصحوة) إلى حالة من التخدير؛ لن يصحوا منها إلا بعد فوات الأوان (4) .

-ويدعي أن الاتجاه السلفي المعاصر إنما يمثل العودة إلى ما كان عليه العرب في عصر سالف حسب طريقتهم الخاصة في فهم ذلك العصر، وأنه يفتقر إلى القدرة على مسايرة العصر، ولم ينجح في تقديم التراث الإسلامي بصورة فيها حيوية أو تجديد أو قدرة على التحدث بلغة العصر ومخاطبة العقول بلغة قريبة إلى فهمها وحسها وذوقها، وأنه في طريقة عرضه للتراث الإسلامي إنما ينتقي منه ما يناسب أفكاره الجامدة -على حد تعبير زكريا- ويحجب كل ما يتعارض معها ويقدمه بوصفه الممثل للتراث (5) .

(1) … انظر: جمال سلطان -دفاع عن ثقافتنا ص 16، ط الأولى 1412هـ، دار الوطن للنشر- الرياض.

(2) … الصحوة الإسلامية في ميزان العقل ص 15، ط الأولى 1989م، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع القاهرة.

(3) … انظر: المرجع السابق ص 16، 18، 25.

(4) … انظر: المرجع السابق ص 14 - 15.

(5) … انظر: خطاب إلى العقل العربي 46 - 47 ، ط عام 1990م، مكتبة مصر - القاهرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت