فهرس الكتاب

الصفحة 20932 من 27364

-كما يزعم أن الاتجاه السلفي ينظر إلى التاريخ نظرة ارتدادية، وأن الاعتقاد السلفي في قضايا الدين والإيمان والقدر والرسالة والوحي هو الذي أدى بالعقل العربي الإسلامي إلى تجنب الاقتراب من منطقة المستقبل وتركيز كل جهوده فيما هو وقتي مباشر، وترك الميدان المستقبلي للظروف دون محاولة للتدخل المسبق فيه. ومما قاله بهذا الشأن قوله:"حين نتأمل جيداً موقع العقيدة الإسلامية والوحي القرآني في التاريخ العام للبشر كما تحدده وجهة النظر الدينية؛ يتكشف لنا أحد الأسباب الهامة التي تحول دون سيادة الاتجاه المستقبلي في الفكر الإسلامي، ذلك لأن الإسلام هو آخر الرسالات التي بعثت للبشر، ورسول الإسلام هو خاتم الأنبياء، والوحي الذي كان يهبط على البشرية منذ أقدم عهود الأنبياء قد اكتمل بنزول القرآن، وبمجيء الإسلام تكون البشرية قد بلغت سن الرشد واستُكمل كل ما كان ينقص الرسالات السابقة. وهكذا ينطوي الإسلام على عقيدة أساسية هي أنه دين البشرية التالية كلها، وتعاليمه هي أعلى قمة للتشريع والأخلاق والحكمة يمكن أن يهتدي بها الإنسان. في وضع كهذا كيف يمكن أن يوصف التاريخ التالي للبشرية، أعني: تاريخها الذي أعقب وصولها إلى تلك القمة؟ لن يكون هذا التاريخ في واقع الأمر سوى شروح على متن هو الوحي في صورته المكتملة … وفي إطار وجهة نظر كهذه كيف يمكن أن يكون للمستقبل دور جوهري في فكر الإنسان المسلم؟ إن مسار التاريخ بعد الإسلام إما أن يكون تدهوراً، وإما أن يكون - على أحسن الفروض- محاولة دائمة للعودة إلى الإشعاع الأول، وفي كلتا الحالتين لا ينطوي المستقبل على جديد، ولا يمثل تطور البشرية خطاً صاعداً إلى أعلى. وربما تصور المؤمن المتمسك بحرفية عقيدته أن الأمل في مستقبل أفضل من أي شيء عُرف في الماضي ينطوي على نوع من التجديف، إذ يتضمن الاعتقاد بأن التاريخ سيبلغ يوماً ما نقطة تعلو على المستوى الذي بلغه عند نزول الوحي، وهو أمر ممتنع بالنسبة إلى عقيدة اكتمل بها رشد الإنسان، أعني: عقيدة يستحيل -بحكم تعريفها ذاته- أن يتم تجاوزها في أية لحظة لاحقة من تاريخ البشر" (1) . وقوله:"لقد كان من الطبيعي أن تؤدي النظرية التي ترى في الوحي أعلى قمة بلغتها الحكمة والشريعة في أي عصر -تؤدي إلى فلسفة للتاريخ ترى في مسار البشرية بعد عصر الوحي الأول تدهوراً، وتُعلق أقصى الآمال على التشبه بهذا العصر الأول، أما تجاوزه فمحال. تلك هي الصورة التي اتخذتها فكرة"العصر الذهبي المجيد"في العالم الإسلامي، مع ملاحظة أن هذا العصر الذهبي ليس عصر أمجاد بشرية، بل هو ذلك الذي تحققت فيه أرقى صورة من اتصال الألوهية بالإنسانية، في وحي يمثل كلمة الله الحرفية والمباشرة. وعندما يكون المستقبل بالضرورة أدنى مستوى من الماضي، وعندما يكون قصارى الأمل هو أن نكرر في المستقبل لحظة معينة من لحظات الماضي، فعندئذ يفقد المستقبل قيمته بوصفه غاية يتجه إليها نشاط الإنسان، ومن ثم لا تعود هناك حاجة إلى جعله موضوعاً أساسياً للتفكير… ولو قفزنا عبر الزمان قفزة كبرى لنصل إلى الوضع السائد في العصر الحاضر لوجدنا أن عدداً غير قليل من الجماعات الدينية المعاصرة في العالم العربي تلخص فلسفتها الإصلاحية في عبارة واحدة هي: (لقد كان المسلمون الأوائل منتصرين في جميع الميادين، وهزموا أعظم دول العالم في زمانهم عندما كانوا يتبعون تعاليم دينهم، ثم تدهورت أمورهم لما انصرفوا عن الدين، وإذن فلنعد إلى حظيرة الدين كيما نصبح مرة أخرى أعظم أمم العالم) ، قد تختلف التعبيرات من جماعة إلى أخرى، ولكني أعتقد أن هذه العبارة تُلخّص الدعوة الفكرية لعدد من أهل الجماعات الإسلامية الحالية. وإذا لم يكن من مهمتنا أن ندخل في جدل يكشف عما في هذه (الوصفة) من سذاجة وقصور -يتمثل قبل كل شيء في تجاهل الفوارق النوعية الهائلة بين عصر الدعوة الإسلامية والعصر الحاضر وإسقاط كل التغيرات التي طرأت على العالم كله في الفترة الواقعة بين الحقبتين - فإننا نستطيع أن نكتشف بسهولة في هذه المعادلة المبسطة التي تقتنع بها أعداد هائلة من العرب المعاصرين نفس السمة التي كنا نشير إليها منذ قليل، وهي أن أقصى حلم يتمناه هذا الفكر للمستقبل هو أن يتخذ شكل الماضي البعيد، وأن الإحياء والتجديد هو الأمل الأكبر، أما التجاوز فمستحيل" (2) .

(1) … الصحوة الإسلامية في ميزان العقل ص 85 - 86.

(2) … المرجع السابق ص 87 - 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت