فهرس الكتاب

الصفحة 20933 من 27364

-ويعدُّ فؤاد زكريا الاقتداء بالسلف الصالح والالتزام بمنهجهم اغتراباً زمانياً وقفزاً فوق الزمن، ويرى أنه لا يصح الربط بين الأصالة وذلك الاقتداء والالتزام، لانقطاع الخيط الذي يصلنا بزمن السلف الصالح، ولأن منهجهم لم يطبق -في نظره- إلا فترة زمنية محددة هي فترة صدر الإسلام. فنراه يقول -بعد أن تحدث عن دعوة البعض إلى محاكاة النموذجين الغربيين الرأسمالي والاشتراكي-:"… غير أن هناك نوعاً آخر من المحاكاة يوصف بأنه لا يتضمن أي خروج عن الأصالة، بل يقال إنه هو نفسه التعبير الحقيقي عن الأصالة، وأعني به: محاكاة أسلافنا والعودة إلى نموذج الحياة الذي كان سائداً إبان انتشار دعوتهم وازدهار دولتهم، وقد يتخذ هذا النموذج شكلاً إسلامياً، فيقال: إن صيغة التقدم الوحيدة المتاحة لنا هي أن نعود إلى إسلام السلف الصالح، مادام هؤلاء قد تمكنوا بفضل إيمانهم من تثبيت دعائم دولة كبرى؛ وقهر أعظم امبراطوريات التاريخ القديم… هذا النوع من محاكاة الأجداد، أو -حسب العبارة التقليدية- الاقتداء بالسلف الصالح يُعد في نظر الكثيرين الحل الأمثل لمشكلة الأصالة، فنحن في هذه الحالة نعود إلى جذورنا ونرتد إلى أصولنا، ومن ثم فإننا في واقع الأمر لا نحاكي أحداً، لأن المحاكاة إنما تكون بين طرفين متغايرين، وهو مالا ينطبق على العودة إلى الذات في منابعها الأصلية. ولكن هل تكمن الأصالة في مثل هذه العودة إلى الماضي بحق؟… إن أنصار الاقتداء بالسلف الصالح يركزون دعوتهم على فترة معينة من التاريخ، هي على وجه التحديد فترة صدر الإسلام، والنموذج الذي يدعون إلى الاقتداء به هو نموذج الإسلام الأول؛ إسلام الدعوة والكفاح والانتصار وبناء الحياة الجديدة، أي: عصر النبي والخلفاء الراشدين، وربما توسع بعضهم فامتد إلى نهاية القرن الأول والثاني من الهجرة، ولكن المهم في الأمر أن بؤرة الاهتمام ومركز الإشعاع هو أقدم عصور الإسلام. ويعترف أنصار هذه الدعوة أنفسهم بأن الفترة التي تلت ذلك، أعني: الفترة التي تفصلنا عن عصر الانتصار الأول كانت في معظم الأحيان فترة تدهور وتراجع وخروج عن الخط القويم؛ وعن النموذج الرائع الذي ضربه لنا المسلمون الأوائل، وبعبارة أخرى: فإن معظم فترات التاريخ الإسلامي كانت -باعتراف أنصار هذا الرأي- انقطاعاً عن المسار الذي بدأ بداية مجيدة؛ وخروجاً أو انحرافاً عن الاتجاه القويم، أي أننا حين يراد منا أن نعود اليوم إلى هذا النموذج لابد أن نقفز قفزة هائلة فوق الجزء الأكبر من التاريخ العربي الإسلامي ونعود إلى أول فتراته، ونُسقط من حسابنا جزءاً كبيراً من الزمن الذي يفصل بيننا وبين هذا العصر الأول. هذا الانقطاع وهذه القفزة فوق فترة زمنية طويلة تُسقط شرطاً أساسياً من شروط الأصالة وهو"الاستمرار"، فصحيح أن العصر الذي يُراد منا أن نقتدي به ينتمي إلى جذور تاريخنا البعيد، ولكنه لم يظل ممتداً على نحو متصل حتى وقتنا الراهن، فنحن في حالة النموذج الإسلامي نعترف صراحة بالانقطاع؛ حتى نقول إننا تنكبنا طريق السلف الصالح منذ القرون الأولى، أي: أن معظم فترات تاريخنا كانت خروجاً على النمط الأول، ونحن نعلم أن الأصالة في نسب إنسان أو فرس إنما تعني أن يكون هذا النسب مستمراً أو متصلاً من فترة معينة في الماضي حتى الوقت الحاضر، ولو حدث أي انقطاع في النسب خلال هذا المسار لما عاد هذا أو ذاك أصيلاً. وهكذا نجد لزاماً علينا أن نعيد النظر في موقف أولئك الذي يحددون الأصالة بأنها العودة إلى جذورنا الضاربة في أعماق الماضي، فحدوث انقطاع أساسي بين الحاضر وهذا الماضي البعيد يؤدي إلى الإحساس بنوع من"الاغتراب"بين الإنسان وجذوره البعيدة، وكما أننا في محاكاة النماذج الأجنبية المعاصرة نشعر باغتراب"مكاني"لأن هذا النماذج دخيلة علينا تنتمي إلى بقاع تفصلنا عنها مسافات مادية ومعنوية كبيرة، فكذلك نشعر باغتراب"زماني"حين يُطلب إلينا أن نقفز فوق الزمن قفزة هائلة ونتجاهل معظم فترات تاريخنا، ونقتدي بنموذج قديم في ظروف أصبحت مختلفة عنه كل الاختلاف، وفي عالم لا تربطه بعالم الأسلاف أية صلة، في الوقت الذي نعترف فيه صراحة بأن الخيط الذي كان مفروضاً أن نظل ممسكين به من ذلك العصر الذهبي القديم قد انقطع منذ أمد بعيد" (1) .

-ويصور فؤاد زكريا موقف أصحاب المنهج السلفي -الماثل الآن في الصحوة الإسلامية- من العلم المعاصر بصفة خاصة كما يلي:

أنهم يرون تضاداً وعداءً بين العلم الحديث ومتطلبات الإيمان كما يتصورونها هم (2) ، وأنهم لم يستطيعوا أن يقيموا التعايش بين العلم والإيمان، ولذا فهم يلجأون إلى جعل العلم ينبثق عن الدين، أو إعطائه مكانة بمقاييس دينية (3) .

أنهم ينكرون السببية ويطعنون في مبدأ الحتمية (4) ، لأن القول بها يعني -في نظرهم- الحد من القدرة الإلهية.

(1) …المرجع السابق ص 99 - 100.

(2) …انظر: خطاب إلى العقل العربي في الصفحات: 58،59، 64، 65،69.

(3) …انظر: المرجع السابق ص 70.

(4) …انظر: المرجع السابق في الصفحات: 59، 60، 64، 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت