فهرس الكتاب
وعلى هذا الأساس فالعلمانية تعني رفض القوانين التي يكون مصدرها الوحي الإلهي، فهي تحل الفواحش والربا ولحم الخنزير وسائر المحرمات الواردة بالقرآن الكريم، وفي الكتب السماوية الأخرى كالإنجيل والتوراة؛ لمجرد أن مصدرها الدين طبقاً لما استقر عليه النظام العلماني بقاعدة فصل الدين عن الدولة.
ليس صحيحاً أن العلمانية تعني التفكير العلمي أو تقتصر على التقدم الصناعي والمعماري، فالعالم قد أثبت أن أكل لحم الخنزير يضر بالإنسان ويكفي أنه يولد الدودة الشريطية التي يصل طولها بأمعاء الإنسان إلى ثمانية عشر متراً، كما أثبت العلم أضرار الفواحش وتمثل ذلك في أمراض الزهري والسيلان ثم أخيراً مرض الإيدز، ومع هذا فالتشريعات العلمانية في أوروبا تبيح هذه الأمور والعلم يوجب خطرها.
أما أن الفكر الديني يناهض العلوم والتصنيع ولهذا لجأت أوروبا إلى المذهب العلماني فإن ذلك قاصر على أوروبا وحدها ولا ينبغي أن نتبع أوربا في مشاكلها وأمراضها أو في علاج المشاكل والأمراض التي ليست في مجتمعاتنا، فالإسلام يطلق الحرية الكاملة في البحث العلمي وفي كل شيء يتعلق بالصناعة وغيرها مما يخضع للتجارب البشرية، ف صلى الله عليه وسلم قد قال:"أنتم أعلم بشئون دنياكم". والأحاديث والآيات القرآنية في هذا لا نكاد نحصيها.
إن ما عرف في أوروبا باسم الحكم الثيوقراطي أو الحكومة الإلهية، أمر لم يوجد في المجتمعات العربية ولن يوجد فيها، فإذا كان لرجال الدين في أوروبا في القرون الوسطى ما عرف باسم الحق الإلهي، الذي يخول لهم التصرف في الناس وفي التشريعات وفي أمور الحلال والحرام ثم يقولون إن هذا من الله، وبالتالي كانوا يملكون صكوك الغفران والحرمان، كما قاموا بسجن أو حرق من بحث في العلوم الطبية أو غيرها من العلوم التجريبية فإن كل ذلك لا وجود له في الإسلام فهو لا يخول أحداً من الناس في هذه الخصائص أو غيرها، كما أنه لا يفوض أشخاصاً بأعيانهم لتولي السلطة في الأرض أو لممارسة السلطة الدينية على الناس بل إن القرآن الكريم قد نزل لإبطال هذه المغالطات المنسوبة إلى الدين وإلى الله تبارك وتعالى، فقد أعلن ذلك إلى الناس جميعاً، قال الله: (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) .
إن تأدية بعض الزعماء للصوم والصلاة في النظم العلمانية ليس معناه أن هذه النظم لا تتعارض مع الدين، لأن التعارض بين الدين والعلمانية يكون فيما يتعلق بالتشريعات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية؛ لأن العلمانية لا تعني إنكار وجود الله والديانات كما هو الحال في الشيوعية، وقد سجل القرآن موقف أهل مدين في هذا الشأن من نبيهم شعيب في قوله عز وجل: (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ) ) انتهى كلام البهنساوي من كتابه (تهافت العلمانية في الصحافة العربية، ص229، 230) .
وقال الأستاذ محمد إبراهيم مبروك في كتابه (علمانيون أم ملحدون؟) (ص112-119) . (في كتاب الدكتور فؤاد زكريا(أستاذ الفلسفة الطبيعية) (نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان) يعدد مصادر المعرفة المختلفة (وطبعاً لا يذكر من بينها الوحي) ثم ينكرها جميعاً باستثناء الإدراك الحسي الذي يعتبره المصدر الوحيد للحقائق. ويرفض الدكتور فؤاد المنهج العقلي الذي يتخذ البرهان العقلي على وجود الأشياء رفضاً شديداً حيث يقول:"إن المعيار الحاسم لوجود الأشياء هو إدراكها (يقصد إدراكها بإحدى الحواس الخمس) لا البرهنة عليها".
وينقل قول لوك مؤكداً لموقفه:"إن معرفتنا بوجود الأشياء لا ينبغي أن ترد إلى الذهن لأن الوسيلة الوحيدة لهذه المعرفة هي الإحساس ولا يمكن عن طريق الأفكار الذهنية وحدها إثبات وجود موضوع لفكرة ما".
ومن هذا المنطلق فإنه ينتقد آراء ديكارت وباركلي في الإيمان بوجود أشياء ميتافيزيقية (غيبية) على البرهان العقلي.
ويقول عن الآثار العملية الضارة لهذه الطريقة في التفكير:"عندما كان الناس يؤمنون بأن محاصيلهم هبة من إله الزرع أو الخصب كانوا يركزون جهودهم في الصلاة لذلك الإله ويتركون زرعهم تحت رحمته أما عندما أصبحوا يؤمنون بأن جودة محاصيلهم تتوقف على ما يبذلونه فيها من جهد فإن نشاطهم تحول من الصلاة لإله الزرع إلى رعاية الأرض وتعهد النبات وهكذا يؤدي تغيير طريقة التفكير النظري في الأشياء إلى تغيير في طريقة التعامل مع هذه الأشياء".
وهذا الموقف الحاسم والمعروف عن الدكتور فؤاد زكريا (والذي نقدر له ثقافته العلمية الواسعة وقدرته الموضوعية الكبيرة وكذلك موقفه السياسي في رده على كتاب الأستاذ حسنين هيكل خريف الغضب) حيث أكد في كتابه (كم عمر الغضب) أن الأخطاء التي وقع فيها الرئيس السادات يجب أيضاً أن يتحملها بالتبعية الرئيس عبد الناصر الذي عينه في منصب النائب وهو يعلم من هو.