فهرس الكتاب

الصفحة 20939 من 27364

ونقدر له في كتابه (التفكير والمنهج العلمي) موقفه الموضوعي من الحضارة الإغريقية والتي اعتبرها ذات إنجازات علمية متواضعة وكذلك موقفه الموضوعي من الحضارة الإسلامية التي أشاد بإنجازاتها العلمية وقدرتها على تفجير الطاقات الفكرية النابغة وكذلك تفريقه بين الإسلام فإننا أمام دين يختلف كل الاختلاف عن الدين الذي كان يواجه رواد النهضة فالإسلام دين يدعو إلى العلم وإعمال العقل في التفكير بشكل قاطع وإن كان يؤخذ عليه في هذا الكتاب أنه أسقط هجومه على التفسيرات الغيبية بوجه عام.

إلا أن الموقف الفكري الحاسم والمعروف عن الدكتور فؤاد زكريا والذي أشرنا إليه في الحديث عن نظريته في المعرفة بدأ يأخذ شكلاً آخر في كتبه التي يتحدث فيها عن الصحوة الإسلامية وموقفه منها. فبدت آراؤه تأخذ طابعاً بعيداً عن الموضوعية وتتجه نحو التأويل والتعميم والمراوغة .

ويرى الدكتور فؤاد زكريا في كتابه:"الحقيقة والوهم في الحركات الإسلامية"أنه ما زالت تسيطر على الإسلاميين الفكرة الساذجة بمعاداة الغرب للإسلام بوجه خاص (ولا أعرف كيف يمكنه تأويل الأقوال الصريحة الدالة على ذلك لقادتهم السياسيين والمفكرين والتي أشرنا إليها في الباب السابق؟!) .

ويرى أنه بالنسبة للمعتدلين الذي يؤمنون بالتطبيق التدريجي للشريعة الإسلامية (والتي يكاد يختزلها في الحدود!) ويشترطون لتطبيقها توفير حد أدنى من الكفاية الاجتماعية قد فاتهم أن يسألوا أنفسهم وكيف يمكننا أن نصل إلى تلك المرحلة إلا بتحقيق الإصلاح الاقتصادي والاستقلال السياسي والحياة الديمقراطية وعلى ذلك فعلينا أن تشغلنا هذه الأمور أولاً -وذلك بالترتيب السليم للأولويات -ثم تأتي بعد ذلك مسألة تطبيق الشريعة.

فهل فات الدكتور فؤاد وقد يكون السبب في ذلك هو بعده عن الحركة الإسلامية أو رؤيته لها بمنظوره الخاص أنه ليس هناك بين الإسلاميين (سواء المعتدلين أو غير المعتدلين) من يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية بمعناها المحدود بل إن المطالبة بتطبيق الشريعة عندهم تمثل رمزاً لقيام الدولة الإسلامية المنشودة بل إن تطبيق الشريعة يكاد يكون مرادفاً عندهم لقيام الدولة الإسلامية: وهذا أمر مبدئي لدى الحركة الإسلامية لا يمكن التشكيك فيه لأنه من البديهيات الإسلامية التي يعوقها أن الإسلام دين شمولي لا يقبل التجزيء وأن تجزيء الإسلام لا يعني شيئاً سوى تشويهه.

وليس باستطاعتي أن أقتنع أن الدكتور فؤاد زكريا -بكل ثقله الفكري- من الممكن أن يجهل ذلك مهما كان موقفه من الحركة الإسلامية.

أما ما يطرحه الدكتور فؤاد عن ترتيب الأولويات فإنه يدور حول الحلقة دون أن يحاول اقتحامها لأن المسألة تتعلق بالمنهج المطبق في كل المراحل وليست المسألة مجرد تطبيق الإسلام في مرحلة ما، لكن الدكتور فؤاد أراد بطرحه لفكرة تطبيق الشريعة والرد عليها بترتيب الأولويات التي تستوجب الخروج من الأزمة التي نعانيها أولاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ملتمسين النجاة داخل دائرة الحلول العلمانية، وطبعاً أقول أراد بذلك أن يؤجل نقاش فكرة تطبيق الإسلام لأجل غير مسمى ومحاولة تسويغ فرض التفكير في المشاكل المطروحة بالأساليب العلمانية في التفكير التي يريد أن يخلص إليها .

ولا أكاد أقتنع (مرة أخرى) أن الدكتور فؤاد لا يعي حكاية المنهج هذه، فأيا كانت المرحلة المطلوبة أولاً وأياً كانت المشكلة المطروحة فإن السؤال البديهي هو هل نلتمس الحل لها من داخل الإسلام أم من غيره؟ هل تعترفون بأن هناك حلاً إسلامياً لمشكلتنا الاقتصادية أم لا؟ وهل تعترفون بأن هناك حلاً إسلامياً لمشكلتنا السياسية أم لا …؟ إلخ. أي أن المسألة المطروحة هي هل أنتم ترون الحلول من داخل الإسلام أم لا ؟ وأكررها في أكثر من مناسبة المسألة هي إسلام أم لا إسلام.

وإذا كان جيب بموقفه الاستعماري يسخر من المفكرين الإسلاميين في أوائل القرن الماضي متسائلاً لأي جمع من الناس يوجهون حواراتهم (1) ؟ فإننا من دورنا نسأل الدكتور فؤاد بقدرته الموضوعية الكبيرة -ودون سخرية- لأي جمع من الناس توجه كلامك الذي يعني -ولو بشكل تمويهي- أنك تقبل تطبيق الشريعة بضماناتها الاجتماعية ولكن توفير هذه الضمانات يستوجب حلول مشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل نطاق الحلول العلمانية أو في قول أقرب إلى أسلوبكم بالطرق الموضوعية المجردة التي لا شأن للإسلام بها.

ويقول إن الشريعة الإسلامية شديدة العمومية ولابد من تدخل بشري كبير لكي تصير واقعاً يمكن تطبيقه في ذلك العالم البالغ التعقيد.

ضع هذا القول نصب عينيك جيداً وضع أمامه قول إن النص الإلهي يفسر ويطبق بواسطة حكام بشر وأن التجارب المريرة التي خاضها عالمنا الإسلامي قد أثبتت أن أمثال هؤلاء الحكام الأكثر دموية والأشد استخفافاً بمصائر البشر. إنه يخلص من هذين القولين إلى أن الشريعة الإسلامية ليست قانوناً إلهياً له حق التفضيل على القوانين الموضوعية!

(1) …تحديد الفكر الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت