وفي هذا الكلام عدة تجاوزات لا أعتقد أبداً أنها تفوت الدكتور فؤاد زكريا، فكون الشريعة الإسلامية بكليات شديدة العمومية أمر لا يعيبها وإنما هو ما يمنحها المرونة اللازمة التي تكسبها صلاحية الملاءمة مع تطور الأزمان والظروف والأحوال وهو ما يقتضيه كونها الشريعة الخالدة خلود الزمان ولكن هذا لا يجعلنا نتغاضى كما فعل الدكتور زكريا عن أن هناك الكثير من الأحكام التفصيلية أيضاً التي جاء بها الإسلام في كل شئون الحياة
ولتناقض الادعاءات العلمانية والتي لا تعني في حقيقتها أي شيء له معنى موضوعي بل وليست إلا محاولات تمويهية لإخفاء الأفكار المعادية للدين وراءها فإن الجانب الأكبر من العلمانيين يستغلون هذه الأحكام في اتهام الإسلام بالتعقيد الشديد.
ولكن الدكتور فؤاد لم يفعل ذلك لأنه أراد أن يخلص نتيجة أخرى معادية للإسلام ومترتبة على هذا القول هي أن من يقوم بتفسير هذه الأحكام العمومية حكام بشر أثبتت التجارب المريرة مدى ظلمهم وفسادهم، وأظهر إدعاء باطل في هذا الكلام هو أن ما يفسر هذه الأحكام هم الحكام فمن المعلوم بالضرورة أن الذي يقوم بذلك هم العلماء وليس الحكام ولا يعيب بعض هؤلاء العلماء -من أمثال عمر وعلي- أن يكونوا حكاماً وكيف من الممكن أن تؤدي عملية التفسير إلى سحب الصفة الإلهية من هذه الأحكام وكأن هؤلاء المفسرين يعملون في الهواء الطلق دون الالتزام بأية قواعد أو مناهج، فعمومية الأحكام التي تكسبها الصلاحية والمرونة لمواجهة ما يقتضيه التطور الاجتماعي ومتغيرات السلوك الإنساني من أحكام لا يفقدها مقوماتها الخاصة بها لأن هذه العملية التوليدية المستمرة من الأحكام الإسلامية تخضع في تطورها لإطارات خاصة وأهداف محددة تعكس تصورات العقيدة الإسلامية للعالم والغايات الإسلامية من حركة تطور المجتمع ويخضع هؤلاء المفسرون لقواعد أصولية ثابتة في عملية التفسير واستخلاص الأحكام الجديدة وعلى قدر التزامهم بهذه القواعد على قدر ما ينسحب على آرائهم من شرعية إسلامية.
وحكاية عمومية أحكام الشريعة هذه واتخاذها ذريعة لتفريغ الإسلام من محتوياته تتردد كثيراً في كتابات الدكتور زكريا حتى تكاد تشك أن لديه إعوازاً شديداً في مواده الفكرية التي يستخدمها في محاولاته في إزاحة الإسلام وتثبيت دعائم الأنماط العلمانية في التفكير (والماركسية منها بالذات) على الساحة الفكرية مكانه وذلك في رده على كتاب الدكتور مصطفى محمود الماركسية والإسلام يقول (1) :"إذا كانت الأحكام الدينية تقتصر على العموميات وتترك التفاصيل والجزئيات لاجتهاد العقل البشري وفقاً لظروف الإنسان المتغيرة فمن أي مصدر نستمد هذه التفاصيل؟ لابد أن يكون ذلك من مصدر دنيوي ولابد أن يملأ الناس ذلك الإطار العام الذي تحدده الأحكام الدينية، بمضمون أو بمحتوى مستمد من واقع حياتهم المتغيرة ومستلهم من فكر إنساني واجتهاد بشري". ونعود لكي نسأل مرة أخرى: هل عملية الاجتهاد في التفاصيل هذه تحدث هناك في الهواء الطلق دون أي تأثير من القواعد العمومية؟ ثم يأخذ على الدكتور مصطفى محمود هجومه على الماركسية ويتهمه بأن ذلك يعني أنه يريد أن يملأ الفراغات التي تركتها الأحكام العمومية بالرأسمالية.
والحقيقة أن كلام الدكتور فؤاد هو الذي يريد أن يوحي للقارئ الساذج (لأني لا أعرف مَن مِن الممكن أن يقتنع بهذا لكي يوجه إليه الدكتور فؤاد كلامه) أن الأوفق أن تمتلئ هذه الفراغات بالماركسية بل إنه يصرح بهذه الفكرة في كتاب آخر حديث له فيذهب إلى أن عمومية الأحكام الدينية تترك للاجتهاد وللتفسير وبذلك لا يجد المفكر مفراً لسد هذا الفراغ إلا إلى الرجوع إلى الأيديولوجيات المعاصرة، بحيث يؤدي العداء للاشتراكية على نحو آلي إلى خدمة الرأسمالية ويرى أن الأوفق إلى الإسلام أن يرجع في ذلك إلى الاشتراكية وذلك لأن"جوهر القيم الاشتراكية، ومضمونها الفعلي متفق مع الجوهر الحقيقي للإسلام اتفاقاً أساسياً".
(1) …الصحوة الإسلامية في ميزان العقل.