"إن ما سقط أو فشل في التجربة الأولى لتطبيق الاشتراكية هو شكل محدد من أشكال التطبيق، ولم تسقط الفكرة أو احتمالات تطبيقات مختلفة لها"! (المرجع السابق، ص103) .
ويقول عن المشروع الماركسي والقومي في البلاد العربية، الذي فشل بشهادة العقلاء ! فشلاً ذريعاً:"أياً كان وصف أو تقييم المرحلة السابقة- وهذا ما يجب أن يكون عنواناً أساسياً لحوار مفتوح وجاد بين جميع القوى والعناصر، ويفترض أن يتسم الحوار بالشجاعة والصراحة والمسؤولية، لتحديد أخطاء ونواقص المرحلة الماضية- فإن من جملة الظواهر والنتائج البارزة الآن:"
أولاً: عجز المشروعين القومي والماركسي، بالصيغ والحيثيات والشعارات والأولويات، كما قدّما، منذ الاستقلال وحتى الآن. أي أن هذين المشروعين، نتيجة سوء التقديم والتطبيق، أو بسببهما، لم يعودا قادرين، بصيغتهما القديمة، على مواجهة تحديات المرحلة، وليسا مؤهلين، ضمن منطقهما وأسلوبهما السابقين، لكي يكونا أفقاً للمستقبل. لا يعني ذلك، بالضرورة، أن الأفكار القومية والماركسية عاجزة، ولا بد من البحث عن أفكار أخرى، ولكنه يعني بالتأكيد أن تلك الأفكار بالطريقة التي قدمت بها من حيث الصيغ والأشكال، أو من حيث الفهم، ومن ثم الترجمة في الواقع العملي، وأيضاً العلاقة بين القوى والمراحل والمفاهيم، كانت قاصرة وعاجزة، ويكمن السبب في ذلك، كما نعتقد، في الفهم الرومانسي أو الصنمي والحرفي الذي أُعطي لتلك المفاهيم، ولانعدام آلية تحقيقها، ولعجز القوى التي تبنتها عن تحقيق نتائج ملموسة، ولذلك ظلت هذه الأفكار أقرب إلى الشعارات العامة، أو اكتسبت دلالات ليست من طبيعتها، وظلت أسيرة نماذج طوباوية أو غير مقنعة.
يضاف إلى ذلك أن القوى التي تبنت تلك الشعارات والأفكار كانت عاجزة عن تحليل الواقع بموضوعية واستنباط المهمات والصيغ الملائمة لحركة هذا الواقع والتغيرات التي تفعل فيه. أكثر من ذلك، أن بعض القوى، حين وصلت إلى السلطة، أعطت بسلوكها وعلاقاتها مثلاً سلبياً، الأمر الذي انعكس على الفكر الذي تحمله أو تبشر به.
المأزق، إذن الذي وصل إليه المشروعان، القومي والماركسي، كل بطريقته، وبنسب متباينة، وأيضاً نتيجة أسباب تختلف من واحد لآخر، يجب ألا يقود إلى الاستنتاج أن المشروعين عاجزان بطبيعتهما، أو غير مؤهلين لدور في المستقبل. إن استنتاجاً من هذا النوع، بالإضافة إلى خطئه، هو ما يريد الخصم أن يوصلنا إليه، لقناعته أن الصيغ الأخرى أكثر عجزاً عن مواجهة المشاكل العملية أولاً. (بين الثقافة والسياسة، ص42-43) .
قلت: صدق الله إذ يقول (تلك أمانيهم) وصدق من قال:"إن المنى رأس أموال المفاليس"!
فهذا الماركسي العجوز لم يقتنع إلى الآن -رغم الحقائق- بفشل المشروعين اللذين آمن بهما منذ مراهقته، وهما الماركسية والقومية، وتمنى لو أن بيده بعثهما من جديد، ولكن هيهات ، فقد أفاقت الأمة وعرفت أن هذين الطريقين لم يؤدياها إلا إلى البوار .
فهل يفيق العجوز من سكرته قبل أن يفجأ الموت وهو على هذه الحال؟!
-يعتقد منيف أنه لم يبق أي شيء مقدّس لديه، والعياذ بالله!؛ لأنه كغيره من الماركسيين الماديين لا ينظرون إلى الإسلام كوحي إلهي، على البشر تقديس نصوصه والالتزام بها .
يقول منيف:
"أما موقفي من المقدّس الذي تسألني عنه، فأكاد أقول دون خشية كبيرة: لم يبق شيء مقدس!"! إلى أن يقول:"نحن الذين أعطينا للمقدس قدسيته" (الكاتب والمنفى، ص 382،383) .
-كثيراً ما يتهجم عبد الرحمن منيف على الإسلام وأهله، واصفاً إياه بالأصولية، منتقصاً ثقافته وتعاليمه، كشأن غلاة الماركسيين العرب الذين تشبعوا بالفكر الشيوعي الماركسي المخاصم للدين، وإن قبله جعله أمراً (روحياً) بين العبد وربه. فهم قد جمعوا بين الماركسية والعلمانية، كما سيأتي في أقوال الماركسي عبد الرحمن منيف: فإليك شيئاً منها:
يقول منيف ساخراً من الكتب الإسلامية خالطاً بينها وبين كتب السحر والتنجيم والخرافات!
"ويجدر لفت النظر هنا إلى نوعية المواد التعليمية المقررة في المدارس، والتي من شأنها الحد من استعمال العقل، وتغليب النظرة الغيبية، ومراكمة المواد الحفظية، وعدم إفساح المجال أمام الأسئلة المختلفة، الأمر الذي يلغي المحاكمات العقلية والمقارنة، (فالخطان المستقيمان لا يلتقيان إلا بمشيئة الله) والأرض لا يمكن أن تكون كروية، كما يؤكد رجال الدين. وضمن الدروس التي تُعطى للأطفال، وهم دون سن العاشرة: كيفية غسل الموتى! ."