إن مواداً تعليمية من هذا النوع، إضافة إلى المناخ المسيطر، يعطيان فكرة عن نوع الثقافة السائدة، وعما يمكن أن يواجهه أي فكر تنويري أو مختلف.."إلى أن يقول:"هذا في الوقت الذي يتقلص دعم الأنظمة الحاكمة للكتاب الجاد والمسرح والسينما الهادفين. إذ يضيق أو يمنع استيراد الكتب الجدية والعقلانية، ويفسح المجال واسعاً أمام الكتب الغيبية والاستهلاكية. ونظرة سريعة لمعرفة نوعية الكتب الأكثر انتشاراً تثير حالة مأساوية، فكتب السحر والتنجيم وقراءة الطالع، ثم الكتب الغيبية والدينية، هي الأكثر رواجاً لأنها تلاقي الدعم بأكثر من أسلوب ومن أكثر من جهة". (بين الثقافة والسياسة ، ص 117، 123) ."
-ويقول منتقصاً ومسفهاً ومثبطاً من يدعو الدول العربية إلى تحكيم الشريعة والعودة إلى الإسلام:
"أما الخيار الثاني الذي يطرح فهو الخيار الديني أي الرابطة الدينية، بالتحديد الأخوة الإسلامية التي تتجاوز الحدود القومية."
إن الرابطة الدينية حتى على فرض إمكانية قيامها، لا يمكن أن تتجاوز الرابطة القومية أو أن تكفيها؛ لأن الرابطة القومية هي الأساس في قيام المجتمعات، بخاصة في العصور الحديثة. إن الرابطة الدينية، إضافة إلى استحالة تحققها في الواقع الراهن إلا كرابطة معنوية، لا تتعدى التقارب والتعاطف. وهي تنطلق من معطيات متفاوتة ومن واقع مختلف، كما أنها غير قادرة، وغير مؤهلة للإجابة عن مشكلات العصر الحديث اعتماداً على تجارب ماضية وجزئية""
إلى أن يقول:"فالدين رابطة معنوية واعتقاد مبني على الاختيار الخاص، وهو أمر شخصي تماماً"! (الديمقراطية أولاً، ص 134-137) .
قلت: يقول هذا بناءً على نظرته (العلمانية) ، التي تجعل الإسلام منزوياً في الشعائر التعبدية فقط، أما شئون الحياة فلا دخل له بها، إنما الذي يفصل فيها وينظمها هو الفكر الماركسي!!
-ويدعي منيف أن من أسباب تأخرنا:
"تراجع العقلانية في الثقافة والعودة إلى الغيبية" (الديمقراطية أولاً،ص16) ونسي هذا الماركسي (المادي) أن الغيب نصف الدين !وأنه من شروط إيمان المؤمن، قال سبحانه في وصف المؤمنين بأنهم (الذين يؤمنون بالغيب) ، فلا يتم إيمان عبد حتى يؤمن بما ورد من أمور الغيب الكثيرة الواردة في الكتاب والسنة، وعلى رأسها اليوم الآخر.
وأما بدون هذا الإيمان فإن العبد يكون كافراً، قد شابه إخوانه المشركين الدهريين الذين لا يؤمنون إلا بالماديات زعموا .
-ويزعم منيف كثيراً أن الحركات والتوجهات الإسلامية ما كان لها أن تنتشر لو كان الفكر الماركسي قائماً !! وإنما انتشرت بعد سقوط هذا الفكر الذي أخلى لها الساحة! فهو يحيل انتشار الالتزام بشرع الرحمن وعودة الكثيرين إلى الهداية إلى هذا السبب، لا أن الإسلام يحمل قوته في ذاته ؛ لأنه الدين الحق المستمر إلى قيام الساعة.
يقول منيف:
"إن الدول الغربية، في مراحل متعددة، ولا تزال إلى الآن، تتبنى وتدعم أنظمة واتجاهات أصولية في المنطقة العربية. فأنظمة الخليج العربي، وأنظمة أخرى أيضاً، تحظى برعاية وحماية الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، رغم ما تتصف به هذه الأنظمة من أصولية ورجعية، ورغم دعم هذه الأنظمة لمجموعة من الحركات الأصولية في أمكنة متعددة من العالم ."
إن الأصولية بشكل عام، والأصولية الإسلامية تحديداً، رغم أنها موجودة منذ وقت مبكر، إلا أنها الآن أقوى من أي وقت مضى. ومن جملة ما يفسر ذلك: ضعف أو غياب التيارات الأخرى، والمصاعب والعراقيل التي وضعت في وجهها، وكان الغرب، خلال مراحل متعددة، يقود حرباً بشكل مباشر، أو من خلال دعم الحكومات الرجعية والديكتاتورية، لمحاربة التيارات الديمقراطية والتقدمية، مما أفسح المجال أمام التيارات الأصولية لأن تقوى وتسيطر، ومثَل السادات في مصر مثال ساطع.
ولقد تعززت هذه الحالة بسقوط الاتحاد السوفييتي، وما رافق هذا السقوط من حملة إعلامية غربية تقول باستحالة وجود فرص أو إمكانية للتيار الديمقراطي التقدمي كي يكون حلاً بديلاً للنظم الرجعية القائمة، مما يفسح المجال لأن يعتبر التيار الأصولي نفسه بديلاً وحيداً.
في مواجهة وضع مثل هذا وجدت الأصولية مناخاً ملائماً لأن تعمل وتؤثر وتزداد قوة، خاصة وأن سياسة الدول الغربية طوال عقود متواصلة، اتسمت بضيق الأفق والأنانية، وأيضاً مناوء ة الطموحات المشروعة لشعوب المنطقة، ولعل موقفها المتحيز والظالم تجاه القضايا الأساسية، كالنفط والقضية الفلسطينية والتحرر الاقتصادي، أفسح المجال واسعاً أمام الحركات الأصولية لأن تطرح نفسها كأفق واحتمال للتحرر السياسي والاقتصادي، بغض النظر عن إمكانية ذلك لاحقاً.
إن جزءاً كبيراً من الحرب الدائرة الآن في أنحاء متعددة من العالم حرب شعارات لكسب مواقع، ولو مؤقتاً، من أجل اصطفاف جديد. وهذه الحرب تمارسها، تقريباً كل الأطراف، بغض النظر عن وجود استراتيجية بعيدة الأمد أم لا. إذ المهم قهر الخصم الآن، أو تجريده من أهم الأدوات والوسائل التي يملكها أو يلجاً إليها، دون حساب للنتائج التي يمكن أن تترتب عليها في فترات لاحقة.