فهرس الكتاب

الصفحة 20971 من 27364

-ونراه يتهم الفكر السلفي بأنه فكر لا تاريخي عاجز عن إدراك الواقع وفهم التكنولوجية المعاصرة والأنظمة الاقتصادية والاتجاهات الفكرية والتيارات الاجتماعية، وبأنه يؤدي إلى تعميق واستمرار التأخر التاريخي وإلغاء الحرية الذاتية، حيث يقول تحت عنوان (الوضع الثقافي) ما نصه:"إن المثقفين يفكرون حسب منطقين: القسم الأكبر منهم حسب الفكر التقليدي السلفي، والقسم الباقي حسب الفكر الانتقائي، وإن الاتجاهين الاثنين يوصلان إلى حذف ونفي العمق التاريخي، لكن إذا لم يكن التاريخ في ذهن المثقف، هل يعني هذا أنه محذوف من الواقع؟ طبعاً لا ، التاريخ كماض وكحاضر يُكوّن واقع العرب اليومي، وواقع خصوم وأعداء العرب. كل ما يؤدي إليه الفكر اللاتاريخي هو العجز عن إدراك الواقع كما هو، إذ يمحو منه بُعداً من أبعاده المكونة له. وإذا ترجمنا هذه الجملة إلى الواقع السياسي نقول: نتيجة الفكر اللاتاريخي هي التبعية وعلى كل المستويات، فمن طبيعة الانتقائية أن تفتح الأبواب لكل المؤثرات الخارجية. والفكر التقليدي لا يقل عنها خضوعاً وتسامحاً، رغم ما يعتقد وما يدّعي، كيف يقف في وجه التكنولوجية المعاصرة والأنظمة الاقتصادية والاتجاهات الفكرية والتيارات الاجتماعية وهو غير قادر على فهمها، فضلاً عن إبداع تيارات وأنظمة مضادة بديلة لها. والتبعية الظاهرة والخفية لا تعني فقط عدم الاستقلال والاستغلال، أي: إنها لا تخدش فقط الكرامة القومية والمصالح المادية، بل تعني كذلك تعميق واستمرار التأخر التاريخي. هذه نتيجة استخلصناها واستخلصها معنا المؤرخون الغربيون من تطور الاستعمار الحديث ومن تجارب الدول المتخلفة… ورغم هذا الواقع المر ما زال أغلب المثقفين عندنا يميلون إلى السلفية أو الانتقائية، والغريب أن هذين الاتجاهين يخدعان المثقف ويغريانه بنوع من الحرية الذاتية، يظن أنه يملك حرية الاختيار، وأنه قادر على أن ينتخب من إنتاج الغير أحسنه، وهذه حرية شبيهة بحرية الرواقيين الذين كانوا يظنون أنهم إن حرروا القلب والذهن من تأثير الإنسان والكون جاز لهم أن يهملوا الأغلال التي تشد الأيدي وتقيد الأرجل" (2) ، ويصف طريق الخلاص من الفكر السلفي فيقول:"إن الطريق الوحيد للتخلص من الاتجاهين معاً هو الخضوع للفكر التاريخي بكل مقوماته… إن أحسن مدخل وأحسن مدرسة للفكر التاريخي يجدهما العرب اليوم في الماركسية في تأويلها التاريخاني. إن الكثير من المثقفين العرب يشعرون أنهم سيفقدون حريتهم إذا خضعوا لهذا الفكر؛ سيكونون مسيرين ويعلمون مسبقاً إلى أي هدف يسيرون؛ إنهم سيبقون دائماً في طور التلمذة؛ إذ لم يتعد عملهم تدارك التأخر، وأنهم سينسلخون عن شخصيتهم إذا اعترفوا أن التاريخ فيهم. والعجيب أن تأتي مثل هذه الانتقادات من السلفي الذي يعتقد بالقدر، وينحل في شخصيات السلف الصالح" (3) .

(1) العرب والفكر التاريخي ص 68.

(2) المرجع السابق ص 205 - 206.

(3) المرجع السابق ص 206 - 207.

ويرفض العروي قيام المؤرخ المسلم في تفسيره للتاريخ بربط وقوع الحوادث بمشيئة الله وإرادته، ويصفه بأنه عمل فج وممل، فنراه يقول تحت عنوان (ماهية الأنماط التعليلية) :"لا نتكلم هنا عن الفكرة التي نجدها في كثير من الكتب التاريخية الإسلامية وخاصة المتأخرة منها: أي تفسير كل حادثة بالإرادة الربانية، لأن التاريخ يصبح حينئذ قسماً من علم الكلام. الحقيقة هي أن لا فرق بين استعارة الإرادة الإلهية من علم الكلام واستعمالها في التاريخ وبين استعارة القانون الطبيعي من علوم الفيزياء أو الاجتماع أو الاقتصاد وتوظيفه لنفس الغرض، إلا أن الاستعمال الأول فج ومملّ إذا كان كل حادث يقع بمشيئة الله. ما الفائدة من سرد الحوادث في ظروفها الخاصة؟ . أما الاستعمال الثاني فإنه أكثر تنوعاً ودقة" (1) .

ويرى أنه لا يمكن للمسلمين أن يحققوا التقدم المنشود إلا بتخليهم عن معتقداتهم الدينية، ويستشهد بتركيا الكمالية التي يرى أنها أكثر استعداداً للحياة الحديثة من غالبية المجتمعات الإسلامية، وذلك لنبذها موروثاتها العقدية الإسلامية، فنراه يقول:"إن معظم البلاد العربية اليوم تتقدم قليلاً أو كثيراً على طريق التنمية والتصنيع، وهو تقدم لا يواكبه تغيير ملموس في اللغة والثقافة والأنظمة العائلية والعشائرية، وأحياناً حتى في النظام السياسي. تجري الأمور وكأنه من البديهي أن يفصل التغيير الاقتصادي عن الظروف الاجتماعية والسياسية، ثم تؤثر هذه الحالة حتى في الميدان السياسي، فينادي الكثيرون بضرورة تحقيق العدل والمساواة بدون اعتبار للأوضاع الثقافية، والسؤال هو: هل يصح تصور مجتمع عصري بدون أيديولوجيا عصرية؟ هل يمكن تصور تنظيم سياسي ثوري بدون ثقافة حديثة؟ ."

والاعتراض التقليدي هو: واليابان؟ وإسرائيل؟ ألم نشاهد في كلتا الحالتين تقدماً اقتصادياً وتقنياً مع المحافظة على التقاليد العتيقة، وهناك اعتراض آخر وهو: ماذا نفعهما التغيير الثقافي حيث لم تواكبه ثورة اقتصادية واجتماعية؟ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت