هذه الاعتراضات تبدو وجيهة لكنها غير مبنية على بحوث ودراسات مستفيضة إذا وجب الحكم من خلال ارتسامات عابرة، إني أعتقد أن المجتمع التركي رغم كل الظواهر أكثر استعداداً للحياة الحديثة من غالبية المجتمعات العربية، وإن الأيديولوجيات التقليدية في اليابان وإسرائيل لا تلعب دوراً حاسماً في الحياة الثقافية" (2) ."
ويدَّعي"أن الفكر العربي أيام ابن خلدون كان أكثر علمانية مما كان عليه في القرون اللاحقة، ومما هو عليه اليوم في كثير من الأوساط" (3) .
ويضع العروي (الفكر السلفي) على رأس قائمة المشكلات والعقبات التي تعيق تطور المجتمعات العربية الإسلامية، والتي تستلزم من هذه المجتمعات وضع برنامج شامل لاجتثاثها والتخلص منها لكي يتحقق التقدم والرقي المنشودين (4) ،
ويَعُدُّ المنهج السلفي منافياً للموضوعية واستلاباً حقيقياً يضاهي الاستلاب الحاصل بالتغريب أو التفرنج، حيث يقول تحت عنوان (الاغتراب والاعتراب) ما نصه:"إن الاغتراب بمعنى التغريب أو التفرنج استلاب، لكن الاعتراب استلاب أكبر، والتركيز على الخطر الأول ما هو إلا تغطية لوضع ثقافي واجتماعي معين. إن السياسة الرسمية في الأغلبية الساحقة من البلاد العربية تحارب الاغتراب بوسيلتين:"
تقديس اللغة في أشكالها العتيقة.
وإحياء التراث.
وفي هاتين النقطتين تتلخص السياسة الثقافية عندنا.
ومن الأمور الواضحة وضوح النهار أن تقديس اللغة، أي: تحجيرها في مستوى معين وأخذ الثقافة العتيقة كسمة تمييزية للقومية العربية، هما تشجيع
(1) ثقافتنا في ضوء التاريخ ص 29-30، ط الثالثة 1992م، المركز الثقافي العربي -بيروت .
(2) العرب والفكر التاريخي ص 23.
(3) المرجع السابق هامش ص 54.
(4) راجع: المرجع السابق في الصفحات: 220 - 226.
الاستمرار في الفكر الوسطوي (1) ونفي موضوعية التاريخ. إن السلفي يظن أنه حر في أفكاره، لكنه في الواقع لا يفكر إلا باللغة العتيقة وفي نطاق التراث، بل إن اللغة والتراث هما اللذان يفكران من خلال فكره. هذا واقع لا يعيه ولا يمكن أن يعترف به السلفي مُحَققٌ، ولم يعد في استطاعة أي شخص له أدنى اطلاع على العلوم اللسنية الحديثة أن ينكره .. على الملاحظ المنصف أن يعترف أن الاستلاب الحقيقي هو الضياع في تلك المطلقات التي ذكرناها: في اللغة، في التراث، في التاريخ القديم. يفنى فيها المثقف العربي بكل طواعية واعتزاز، ويعتبر الذوبان فيها منتهى حرية الاختيار والتعبير الصادق عن هويته القارة الدائمة. هذه هي الأوزار والسلاسل ولن نتحرر منها إلا بكسب وعي تاريخي" (2) ."
ويصف الفكر السلفي بأنه فكر رجعي لمحافظته على الثوابت الإسلامية، ورفضه الانسياق خلف الأفكار الوافدة من الغرب، فنراه يقول -مؤكداً حقه في مواجهة هذا الفكر-:"كان من المنطقي أن أفتتح المواجهة مع الفكر المحافظ الرجعي السائد، خاصة وأن التقدميين (3) كانوا وما يزالون يخافون من النظرية والأيديولوجيا رضوخاً للضغط، وتأثراً بالذهنية التقليدية المحافظة التي تدعو إلى عدم أخذ أية فكرة من الخارج… وهذا الفكر يطلع علينا من حين إلى حين بترديد اسطوانة واحدة لا تتجدد أبداً ضد الأفكار المستوردة، والغزو الفكري والروحي والاكتفاء بالأيديولوجيات التقليدية (التراث العربي الإسلامي) التي تُكَوّن نظاماً عقائدياً كافياً وشافياً قادراً على توزيدنا بكل ما نحتاج إليه من حلول لكل مشكلات العصر، مدنية، عائلية، سياسية، اقتصادية، ثقافية، فنية، فلسفية، الخ" (4) .
ويقول -مدعياً انقطاع ارتباط المسلمين بتراثهم:"يرفض السلفي كل الأفكار المستوردة، لاقتناعه بأن الوفاء للتراث شرط لازم وكاف للحفاظ على الشخصية…،"
ومن يدعو إلى رفض الأفكار المستوردة اليوم بعد مرور أكثر من قرن على (النهضة) وعجز جميع المصلحين عن السباحة في غير محيط الأفكار والنظريات الغربية، يفوه بكلام فارغ إذن، كلام لا معنى له إطلاقاً، لا يعود عليه بشيء ملموس، ومستحيل منطقياً وتاريخياً واختيارياً، لأن رباطنا بالتراث الإسلامي في واقع الأمر قد انقطع نهائياً وفي جميع الميادين. وإن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا ما زلنا نقرأ المؤلفين القدامى ونؤلف فيهم إنما هو سراب، وسبب التخلف الفكري عندنا هو الغرور بذلك السراب وعدم رؤية الانفصام الواقعي، فيبقى حتماً الذهن العربي مفصولاً عن واقعه؛ متخلفاً عنه بسبب اعتبارنا الوفاء للأصل حقيقة واقعية، مع أنه أصبح حنيناً رومانسياً منذ أزمان متباعدة، ومن المحقق أن الفكر السلفي سينفي وجود الانفصام المذكور على أساس تجربته الوجدانية، لكن باستشهاده بالوجدان يعترف ضمنياً بصحة ما نقول، لأن التجربة الوجدانية لا تعمم نظرياً وتحليلياً، وإنما تتطلب اعتقاد الكشف" (5) . وعاد ليؤكد"أن الرجوع إلى نظريات الماضي والحفاظ على أصالة فارغة وهم يعوق التطور، وأن الماركسية هي ذلك النظام المنشود الذي يزودنا بمنطق العالم الحديث" (6) ."