وإذا أريد بالقومية، رابطة تناهض الإسلام فالله يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (2) أما إذا كانت القومية أن يصبح العرب أمة واحدة تتفاعل فيما بينها للدفاع عن أرضها وشعبها وتعمل من أجلهم وتجاهد من أجل عقيدتهم المشتركة فهذا لا ينازع فيه أحد من العرب والمسلمين، -إن كانوا عرباً أو مسلمين- وهذا ما أوضحه الدكتور"عصمت سيف الدولة"الذي أشاد برأي الإمام"حسن البنا"مؤسس جماعة الإخوان في ذلك.
ويقول خلف الله: (حين دعا صلى الله عليه وسلم العرب إلى إفراد الله بالعبادة، كان يعتبر ذلك البديل للشرك العربي الممثل في اللات والعزى وما إلى ذلك.. ثم ترتبط الصلاة بالأرض العربية ويرتبط الحج بالأمكنة العربية والأزمنة العربية وكذلك الصوم يراه مرتبطاً بالشهور العربية، فهل يستطيع المسلم أن يؤدي فرائض دينه في غير مقوماتها العربية، وإن كل الذين دخلوا في الإسلام سواء تعربوا أم لا ، إنما يمارسون حياتهم الدينية من حيث الفروض والواجبات على أساس من العروبة وليس يصلح لغير العربية أن يقيم الدين الإسلامي إلا على أساسه العربي وإلا كان ما سيؤديه إسلاماً آخر) .
ولسنا ندري ما هو النص سواء الآية القرآنية الكريمة، أو الحديث النبوي الشريف الذي يجعل إسلام الأوروبي إسلاماً آخر إذا صلى بغير اللغة العربية!
ثم ما هو النص الشرعي الذي يجعل إفراد الله بالعبادة بديلاً عن الشرك العربي، فعبادة الله وحده ليست بديلاً عن الشرك فهي أصل والشرك عارض وطارئ.
الهدف من الإسلام:
إن القرآن الكريم قد حدد الهدف من رسالة الإسلام في آيات لا نكاد نحصيها منها قول الله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) (3) .
ولكن الدكتور يقول: (إن الهدف من الرسالة الإسلامية أولاً وقبل كل شيء هو الارتفاع بالمستوى الحضاري للأمة العربية، وذلك عن طريق الرسول الذي يعلمهم الكتاب والحكمة) .
وأين هذا من الآيات القرآنية التي تحدد رسالة الإسلام بإخراج الناس من الظلمات إلى النور عن طريق اتباع تشريع الله الممثل في القرآن والسنة، إذ قال الله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به…) (4) . وقال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم …) (5) .
إقليمية الرسالة:
يحاول الدكتور"خلف الله"أن يجعل من العروبة رسالة يصبح الإسلام تابعاً لها كما جعل العروبة هي الأصل والإسلام هو الفرع، فيقول: (وعروبة القرآن أو اختيار المولى سبحانه وتعالى للغة العربية لتكون لغة الوحي إنما كان بسبب أن الرسالة الإلهية موجهة إلى الأمة العربية أولاً وقبل كل شيء) .
وسبق أن ذكرت رد الدكتور"عصمت سيف الدولة"من أن الإسلام رسالة للناس كافة، أما العروبة فانتماء إلى شعب معين. وقد ختم هذه القضية بقوله: (كانت خلاصة ما تقدم من تخريب وتغريب أن نشأت في كل قطر عربي طبقة قومية الانتماء إقليمية الولاء، مادية الباطن إسلامية الظاهر فردية البواعث، نفعية الغايات، رأسمالية النشاط، اجتماعية الأرباح، يتعلق بها وتتغذى عليها شخوص من الفلاسفة والمفكرين والكتاب والأساتذة والتلاميذ… وهي طبقة نشأت مع الاستعمار؛ لتؤدي بالنيابة عنه ولحسابه نقض الحضارة العربية من بناء شخصية الإنسان العربية) (6) . إنه لا يجهل أحد أن الإسلام جاء للعرب، ولكنه أيضاً جاء للناس كافة وهذا ما يدركه الدكتور خلف الله الذي لا نعنيه بالاقتباس الأخير .
حقيقة فكر الدكتور"خلف الله":
إن الدكتور خلف الله يستشهد بالآيات القرآنية الكريمة؛ ليوهم القارئ أن العروبة هي الأصل والإسلام هو الفرع، ويرتب على ذلك نتائج خطيرة لم يذكرها صراحة في مقاله، ولكنه نشرها في مقالات وكتب وهذه أهمها:
(1) …المصدر السابق ص 23.
(2) … الأحزاب (36) .
(3) … المائدة (48) .
(4) … النساء (60) .
(5) … النساء (65) .
(6) … المصدر السابق ص 429.
1-بحوث الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية المنشورة في كتاب باسم"القومية العربية الإسلام"والمنشور 1981. وفي هذه البحوث يرد الدكتور"محمد خلف الله"على المفكرين الذي يربطون بين الإسلام والقومية العربية فيقول: يطلب للربط بين الإسلام والقومية العربية التنازل عن العلمانية، وهو ما لا يمكن أن تتخلى عنه القومية العربية ؛ لأن ممارسة الحياة على أساس من العلمانية يمنح المجتمع حرية وانطلاقاً في تحقيق المصلحة العامة، على أساس من الحضارة العلمية أكثر مما يمنحه الإسلام (1) .
2-وكتابه الأسس القرآنية للتقدم، يصرح بأكثر من ذلك فيقول: (تبقى بعد ذلك عملية تحرير العقل البشري من السلطة الدينية المتمثلة في نظام النبوة) (2) .