ويقول: (لقد حرر الإسلام العقل البشري من سلطان الآلهة فيما عدا سلطان الله) (3) ولكنه يقول: (أرجو أن يطمئن القارئ إلى الأساس الذي بني عليه التوحيد وكيف كان تحرير العقل البشري من سلطان الآلهة بما فيهم سلطان الله) (4) .
لما كان ذلك كذلك فليس للدكتور"خلف الله"أن يلبس هذا الفكر اللاديني ثوب القرآن الكريم، وله إن شاء أن يكون علمانياً أو لا دينياً ولكن ليس له صلاحية تحويل نصوص القرآن الكريم، هذا ما نبه عليه الدكتور"عصمت سيف الدولة"في فصل النفاق وفصل العلمانية بكتابه سالف الذكر (5) .
براءة القرآن من أركسة القوميين:
بتاريخ 17/6/1987 نشر الدكتور محمد خلف الله مقالاً عن عروبة الإسلام ذكر فيه أنني ممن يعيشون في الوهم الذي صنعته القومية الفارسية، وأن وهما آخر يرسخ في ذهني، وهو أن عروبة الإسلام ضد عالميته، وعالميته تقتضي فصله عن عروبته، وذلك على الرغم من أنني لم أكتب ذلك ولم أقله.
وكنا نود أن يذعن الدكتور"خلف الله"لحكم الإسلام في تحديد العلاقة بين الإسلام والعروبة والقومية، وخصوصاً وأنه يكرر أن الحقائق القرآنية لا يمكن أن تكون موطن الجدل ومحل الشك والارتياب.
غير أنه تعصب لفكره القومي العلماني، وحاول أن يجعل القرآن الكريم وسيلة لتأييد هذا الفكر مع مناهضته للإسلام حسبما فصله مقالي السابق.
فهاهو قد كتب في ذات الصفحة مقالين تناولا كلامي وكلام الدكتور عبد الصبور شاهين"نشر الأول في 17/6 بعنوان"عروبة الإسلام"والآخر في 24/6 بعنوان"القومية حقيقة قرآنية"."
وقد وضح، أنه يحاول إيهام القارئ أن الحوار كان يدور حول مسمى المقالين، بينما القضية الرئيسة في الحوار تمثلت في سؤال صريح بدأت به مقالي السابق وهو (هل جعل الدكتور"خلف الله"الإسلام هو الفيصل فيما اختلف فيه) ؟ ثم أجبت بقولي: (إنه لم ينزل على حكم الإسلام في مقاله هذا وفي فكره القومي بصفة عامة) .
وقد استندت في إجابتي المذكورة إلى فقرات كاملة من أقواله، كما استشهدت على بعد فكره عن القرآن الكريم بآيات عديدة منه، وبفقرات من كلام الدكتور"عصمت سيف الدولة".
فما كان من الدكتور"خلف الله"إلا أن أغفل هذه الحقيقة .
والحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أن الدكتور"خلف الله"هو الذي حدد عقيدته لنفسه، وهي التي تباعد بينه وبين الدكتور"سيف الدولة"وغيره من الملتزمين بحكم الإسلام، بل ومن المنصفين من الباحثين غير المسلمين، وما كان دوري إلا أن أظهرت هذه الحقيقة، وما زال الأمر بيده إن شاء ترك فكره الذي يناهض الإسلام بالعروبة والقومية، وإن شاء أصر على موقفه السابق، غير أنه لا يوجد باحث منصف يقره على نسبه هذا الفكر إلى الإسلام.
أما أنه يوهم القارئ أن الحوار كان يدور حول مسمى مقاليه سالفي الذكر، يتضح من قوله (تلك هي القضية الأساسية التي لم تستوعبها الجماعات الدينية بعد، التي يثور بشأنها الجدل والحوار ويقع ذلك على الرغم من أن عروبة الإسلام حقيقة قرآنية..) .
كما تتضح هذه المحاولة من عبارات أخرى له منها قوله: (إن القرآن الكريم لم يتخذ موقفاً معادياً للقومية) وبهذه المحاولات يتجاهل أن مقالي محل رده هذا، قد ورد به (إذا كانت القومية أن يصبح العرب أمة واحدة… فهذا لا ينازع فيه أحد من العرب أو المسلمين) .
كما تجاهل أن الدكتور"عصمت سيف الدولة"وهو من كبار المفكرين القوميين، قد حدد موقف كبرى الجماعات الإسلامية من العروبة والقومية بقوله: (إن الأمة العربية هي أمة الإسلام وإنجاز ثورته، وحاضنة حضارته، وحاملة رسالته إلى كل شعب يقبلها بدون إكراه، في أي دولة من دول الأرض، وهذا ما فطنته جماعة الإخوان المسلمين بإرشاد قائدها الشهيد"حسن البنا"(ص 165) .
(1) … كتاب القومية العربية والإسلام ص 55.
(2) … الأسس القرآنية للتقدم ص 41.
(3) … المصدر السابق ص 44.
(4) … المصدر السابق ص 36.
(5) … نشر بالأهرام بتاريخ 10/6/87 في صفحة الحوار القومي.
ولعل الدكتور محمد خلف الله قد اطلع على رسالة المؤتمر الخامس للشهيد حسن البنا الذي حدد الموقف من الوحدة القومية والعربية والإسلامية فقال (إن هذا الإسلام الحنيف نشأ عربياً ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسان عربي مبين وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين، وقد جاء في الأثر: إذا ذل العرب ذل الإسلام..) ص 176.
ولعل الدكتور"خلف الله"لا ينكر أنه قد اقترن بالدعوة إلى القومية العربية تياران: أحدهما: عَلماني يحاول أن يجعل من القومية مذهباً يناهض الإسلام وهو ما قال عنه الدكتور"سيف الدولة" (( إن الاستعلاء على الإسلام بالعروبة مناهضة وأركسة) أي قلب للحقائق (ص 185) (ويجعلون من الإسلام ثمرة من ثمار حضارة ينسبونها إلى أمة عربية لم توجد قط، كأن العروبة هي الأصل وما كان الإسلام إلا فرعاً منها. ونشهد أننا لم نقرأ ولم نسمع شيئاً أكثر جهالة من هذا الذي اختاره بعض العرب أسلوباً لمناهضة الإسلام باسم العروبة) (ص182 من كتابه عن العروبة والإسلام) .