لقد التقت الرغبة اليمينية الإنجيلية مع الحقد الصفوي الباطني، على هدف واحد وهو هزيمة روح المقاومة عند السنة ومن ثم البدء بتشكيل المنطقة وكتابة تاريخ يخطه المنتصرون.
إن مشروع تركيع الشرق الإسلامي لا يمكن أن يطبق دون إجهاز على النفوس المقاومة للظلم والاستعمار والتغريب والتشييع،والذي يحدث في العراق هو تجهيز للمنطقة بكاملها إن على مستوى العنف والقتل والدمار الذي وصل إلى مستوى القاع وليس بعد القاع إلا رمي ركائز الشرق الأوسط الجديد، أو على مستوى السياسات العامة، أو على مستوى التهيئة النفسية. واختيار هذا الموعد لإعدام صدام هو آخر بالونات الاختبار للتأكد من أن التخدير قد جرى في شرايين أبناء المنطقة، وأنهم لم يعودوا يشعرون بالألم فما لجرح بميت إيلام.رد الله تعالى كيدهم عليهم، وحفظ المسلمين من شرهم ومكرهم.
أيها الإخوة: وما أن وقع هذا الحدث الكبير في عالم السياسة، ونقلت وسائل الإعلام إعدام حاكم العراق إلا وتحول اهتمام الناس إليه، وكثرت أقاويلهم فيه، وخصصت برامج إعلامية تحكي سيرة الزعيم المقتول، وعقدت مناظرات لأجله، وسودت صفحات في حياته وأعماله، واختلف الناس فيه اختلافا كثيرا، وضاع العامة في خضم هذا الاختلاف.
فطائفة رأوا في الزعيم المقتول رمزا من رموز الأمة، وعلما من أعلامها، مدافعا عن قضاياها، حريصا على مصالحها، حاميا لبيضتها، وما قصده صهاينة اليهود والنصارى إلا لأنه أعظم خطر عليهم، وما تشفى فيه الفرس الصفويون وأذنابهم إلا لأنه كان السد المنيع دون مشاريعهم التوسعية، ويرى هذا الفريق من الناس أن إعدامه هو إعدام للنظام العربي برمته، وهو رسالة لكل من يقف حائلا دون المشاريع الصهيونية أو المشاريع الباطنية الصفوية بأنه سيلقى نفس المصير، وبالغ كثير منهم فجعلوه شهيد الأمة الذي لن يتوحد العراق بعده، ولا خير في الأمة عقبه، وعدوه في مصاف قادة الإسلام العظماء، وتألى بعضهم على الله تعالى فحكم له بالشهادة والجنة.
وفي كلام هؤلاء حق وباطل، والأمة العاجزة المظلومة تتعلق بأي رمز تراه قد تحدى أعداء الأمة في العلن، ولو كان فيه حيدة عن منهجها ورسالتها، وفي زمن الذل تتعلق القلوب بمن فيهم عزة، وحال انتشار الخوف والجبن يحب الناس الشجاع فيهم، وتعميهم شجاعته وعزته عما فيه من خلل وقصور.
في مقابل هذا الفريق فريق آخر لم يروا في حاكم العراق إلا خائنا لأمته، ممالئا لأعدائها، سفاكا لدمائها، غشوما في حكمها، قوته على شعبه لا على أعدائه، وسياساته الخرقاء، وتصرفاته الرعناء جرت المنطقة إلى ويلات لا عافية منها، ووطنت للصليبيين والصهاينة مواضع أقدام من العسير زحزحتها، ويعزو هذا الفريق من الناس كل بلاء الأمة إليه، ويجزمون بأنه الصفحة السوداء الوحيدة في بلاد الرافدين، ولا يرون له حسنة واحدة، ويعدون تغيره في آخر فترة حكمه، واتجاهه لبناء المساجد، وتوسيع الدعوة إلى الله تعالى، والعناية بالقرآن وحفظه، يعدون ذلك انتهازية لجمع الناس عليه بعد ضجرهم من الحصار، ومساومة منه للغرب، واستخدام الدين سلاحا يهددهم به، ويرون أن ثباته في محاكمته، واصطحابه لمصحفه، ومحافظته على الصلاة في سجنه، ما هو إلا عمل البائس اليائس الذي فقد كل شيء فركن إلى الدين ليخدع الناس، ويكسب تعاطفهم، وتألى بعضهم على الله تعالى فزعموا أن الله تعالى لا يغفر له، وأن جهنم مأواه، وأن نطقه لشهادة الحق قبل موته لا ينفعه، وأن إيمانه كإيمان فرعون حال غرغرته. وكما أن في حكم الفريق الأول حق وباطل ففي ما حكاه هؤلاء حق وباطل.
وبين هذين الرأيين المتباينين أراء أخرى كثيرة مشرقة ومغربة، يضيع كثير من الحق في ثناياها، ويضرب الباطل أوتاده فيها.
والذي ينبغي أن يعلمه كل مسلم أن الله تعالى لا يطالب عامة الناس بالحكم على عباده ومآلاتهم؛ لأن الحكم فيهم إلى الله تعالى، وليسوا مكلفين بالخوض فيما لا يعلمونه من أحوال الرجال، فمن تكلم فيهم وجب ألا يتكلم إلا بعلم وعدل، وأن يتحرى الحق فيما يقول ولو كان ثقيل الوطأة على نفسه، وأن يخلص في حكمه وقوله لله تعالى، لا يبتغي بذلك عرضا من الدنيا،ولا يريد نصر طائفة أو حزب، أو النكاية والشماتة بآخرين، واضعا نصب عينيه قول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} وقوله سبحانه {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} .