لقد مرت بحاكم العراق أطوار وأحوال جعلت الناس يختلفون فيه، ويحتارون في أمره، فهو ربان حزب البعث الكافر بالله تعالى، المؤمن بالعروبة، وهو فارضه على أفراد شعبه، وما بلغ الحكم إلا على سيل من الدماء، وأكوام من الجثث، ثم لما حكم الناس أمعن في ظلمهم، وأسكت أصواتهم، وسار سيرة فرعون {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} وكانت جريمته الشنعاء بخيانته لجيرانه، واجتياح بلادهم، واستحلال دمائهم ونسائهم، مما أوجد المعاذير للدول المحتلة أن تضع أقدامها، وتنصب قواعدها في منطقة حرمت منها.فجرى عليه ما جرى من الحرب والحصار، فتغير عقب ذلك وقوَّى الدين وأهله، والله تعالى وحده أعلم بنيته، وليس للناس إلا الحكم على ظاهره، ثم ازداد تمسكه بدينه عقب أسره، فما فارقه مصحفه بشهادة أعدائه قبل أصحابه، وظهر اعتزازه بدينه أثناء محاكمته حتى أحرج قضاة الزور بثباته وعزته، ثم كانت الخاتمه الحسنة برباطة جأشه والحبل على رقبته، ونطقه بالشهادتين قبل شنقه {ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة} فنرجو له بنطقه للشهادتين المغفرة والجنة، ولا نجزم له بذلك، فلا يعلم ما في قلبه إلا الله تعالى، ولا نجعل ماضيه الأسود حائلا بينه وبين قبول التوبة؛ فقد قبل الله تعالى توبة من هم أكثر كفرا وإجراما منه، فنقلهم الله تعالى بتوبتهم من كفار فجرة إلى مؤمنين بررة، كمسلمة الفتح من قريش الذين آذوا رسول ا صلى الله عليه وسلم وحاربوه وعذبوا أصحابه.
وقبل سبحانه توبة من قتل مئة نفس وهاجر تائبا إلى قرية مسلمة ، فقبضت روحه قبل بلوغها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فوسعته رحمة الله تعالى، فتولته ملائكة الرحمة.
وغفر الله تعالى لرجل أسرف على نفسه، فأمر أن يحرق جسده بعد موته، وأن ينثر رماده فتذروه الرياح، فلا يجمعه الله تعالى، فشك في قدرته سبحانه على جمعه، ولكن ما حمله على ما فعل إلا خوفه منه عز وجل، فغلب خوفه من الله تعالى شكه في قدرته سبحانه فغفر الله تعالى له (فقال الله تعالى له لما جمعه: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر له بذلك) رواه الشيخان.
ولعل ما أصاب حاكم العراق من عظيم الابتلاء بخسارة عرشه، وقتل بنيه وبنيهم ، وتشريد أسرته، وسجنه ومحاكمته وقتله، مع توبته ونطقه للشهادتين، لعل ذلك مكفرا لما مضى من ذنوبه.
وأما حقوق العباد ودماؤهم، وظلمه لهم فالحكم فيها للعلي الكبير، وسيقف هو وخصومه يوم القيامة أمام حكم عدل للقصاص، واستيفاء الحقوق، ولا يظلم ربك أحدا.
والواجب على المسلم الذي شاهد هذا المشهد أن يفرح بتوبة جبار العراق حين تاب، وبنطقه للشهادتين، ولا يكون كرهه لطغيانه وأفعاله السيئة مانعا له من الفرح بتوبته، أو يتمنى أنه مات على الكفر أو ختم له بخاتمة السوء؛ فإن من لوازم ذلك محبة الكفر في بعض المواضع، وإرادته من بعض الأشخاص، نعوذ بالله تعالى من الجهل والهوى.
وقد فرح صلى الله عليه وسلم بتوبة مسلمة الفتح رغم أذاهم له ولأصحابه رضي الله عنهم، وفرح عليه الصلاة والسلام بتوبة الغلام اليهودي الذي زاره وهو في سياقة الموت فدعاه للإسلام فأسلم فخرج صلى الله عليه وسلم وهو يقول (الحمد لله الذي أنقذه من النار) رواه البخاري.
وهكذا يجب على المؤمن أن يفرح بإيمان الكافر، وتوبة العاصي، ويتمنى أن يختم بالحسنى لكل الناس.كما يجب عليه أن يتوخى العدل في أحكامه وأقواله، ويتجرد من الهوى في حكمه، ولا يحكم إلا بعلم، ولا يقول في الرجال بالظن؛ فإن الله تعالى سائله يوم القيامة عن أقواله وأفعاله (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ....
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وخذوا مما ترون من أحداث عبرا؛ فإن السعيد من اعتبر بغيره.