فهرس الكتاب

الصفحة 2103 من 27364

أيها المسلمون: في ضجة هذا الحدث الكبير بمقتل زعيم من زعماء العرب كانت له صولات وجولات يهتم كثير من الناس بذات الحدث، وينشغلون بمجرياته وتفاصيله عن دروسه وعبره، فيكون الحدث مع أهميته عديم الفائدة بالنسبة لهم، وكم مرت بالناس من أحداث قلّ في الناس من استفاد منها، بسبب الجهل والغفلة، وكثرة الشهوات والملهيات. ودروس هذا الحدث الجديد كثيرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؛ فمما يستفاد منه: أن عاقبة الظلم وخيمة، ونهاية الظالمين أليمة، ولعل ما أصاب حاكم العراق عقوبة له على ظلمه أيام سطوته وجبروته، ولربما رفع مظلوم يديه إلى ربه في حبيب قتله أزلامه فاستجاب الله تعالى دعوته، فجرى عليه ما جرى، ولما نكب البرامكة في دولة الرشيد العباسي قال جعفر بن يحيى لأبيه وهم في القيود والحبس: يا أبت، بعد الأمر والنهى والأموال العظيمة أصارنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس؟ فقال له أبوه: يا بني، دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله تعالى عنها.

وفي التاريخ القديم والمعاصر عبر في مصارع الظالمين..تأملوا مصرع فرعون وأبي جهل وأبي بن خلف وأبي طاهر القرمطي، وفي التاريخ المعاصر ماذا كانت نهاية هتلر النازي، وموسوليني الفاشي، وشاه إيران، وطاغية رومانيا تشاوشسكوا، وطاغية الصرب ميليسوفتش، وغيرهم كثير. لقد طغوا وتجبروا وظلموا ثم أذاقهم الله تعالى الذل في الدنيا. لقد زالوا كأن لم يكونوا، ويا ويلهم من مظالم تنتظرهم. فحري بكل من ولاه الله تعالى ولاية كبيرة أو صغيرة ألا يغتر بسلطته وقوته، وأن يتوخى العدل في رعيته، وأن يأخذ من سير الظالمين ومصارعهم أعظم العظة والعبرة. وعلى كل عاقل ألا يغتر بالدنيا وزهرتها؛ فإن تقلباتها كثيرة، وكم من عزيز ذاق ذلها! وكم من غني أوجعه فقرها! ولقد مرت أيام على حاكم العراق ظهر فيها مزهوا أمام الشاشات والجموع تحف بموكبه، وتطأ عقبه، وتهتف له، تمنى أثناءها كثير من الناس مكانته، وحلموا بأمواله وقصوره ورفاهيته، ولو علموا نهايته لما تمنى واحد منهم سلطانه، ولا غبطه على ما هو فيه من النعيم لعلمه بالبؤس الذي بعده، ولا حسده على عز يعقبه ذل وأي ذل. وقد روى أنس رضي الله عنه فقال: (كانت ناقة لرسول ا صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء وكانت لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: سبقت العضباء! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه) رواه البخاري. ثم تأملوا إلى حكمة الله تعالى فيما يقدره على العباد مما يظنونه شرا لهم، وفيه من الخير ما لا يعلمونه، فإنه يغلب على ظننا أن حاكم العراق لما اكتملت له الدنيا كان بعيدا عن الله تعالى، محاربا لأوليائه، ممالئا لأعدائه، قد أسكرته السلطة عن تذكر ربه سبحانه وتعالى، وأغفله الملك عن معرفة دينه، ولو خير وقتها أن يموت على حاله أو يفقد ملكه لاختار الموت. ولكن الله تعالى قضى عليه ما لم يختر فكان خيرا له؛ إذ كان فيما حاق به من عقوبات وابتلاءات مع الإمداد له في عمره، وعدم تمكن أعدائه من قتله في أول أمره فرصة لمراجعة نفسه، وتفقد قلبه، فتغير حاله في الهزيمة والحصار ثم في الأسر والذل عن حاله في الملك والعز. وهكذا فإن العبد قد يصاب في نفسه أو ولده أو ماله فيكون ذلك سببا ليقظته من رقدته، وتنبيهه حال غفلته، فيعود إلى الله تعالى فيختم له بخير عمله، وقد كره من قبل قدر الله تعالى عليه، وقضاءه فيه، فكان ما اختاره الله تعالى له خيرا مما يختار هو لنفسه، فاعرفوا حكمة الله تعالى في عقوباته وابتلاءاته، وتأملوا رحمته سبحانه ولطفه بعباده؛ إذ يجري لهم الخير العظيم من أبواب يظنها العباد شرا محضا، وربنا جل جلاله لا يخلق شرا محضا، والخير بيديه، والشر ليس إليه، سبحانه وبحمده، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره.

وصلوا وسلموا على نبيكم....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت