الأول: يظهر عند مواجهة العبد بعض المشاكل، واعتبره خوفاً فطريّاً يرافق الإنسان مرافقة دائمة، لذلك قال تعالى:"إنّ الإنسان خلق هلوعاً . إذا مسّه الشرّ جزوعاً . وإذا مسّه الخير منوعاً" (المعارج،19-21) , وأشار القرآن الكريم إلى أنه خوف اعترى الأنبياء والرسل، فقال تعالى عن موسى u عندما أمره الله أن يذهب إلى قوم فرعون:"إني أخاف أن يكذّبون" (القصص،24) ، وقال على لسان هارون وموسى:"قالا ربنا إنّنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى" (طه،45) ، وقال تعالى مخبراً عن حال ابراهيم u عندما جاءته الملائكة بصورة بشرية:"فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشّروه بغلام عليم" (الذاريات،28) ، وقد بيّن القرآن الكريم أن التغلّب على هذا الخوف يكون باستشعار معيّة الله، فقال تعالى مبيّناً لموسى وهارون كيفيّة التغلّب على خوفهما:"قالا ربنا إنّنا نخاف أي يفرط علينا أو أن يطغى . قال لا تخافا إنّني معكما أسمع وأرى" (طه،45-46) ، كما قال القرآن الكريم في موضع آخر:"قال كلاّ فاذهبا بآياتنا إنّا معكم مستمعون" (الشعراء،15) .
الثاني: الخوف الناتج من تخويف الشيطان: قال تعالى:"إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين" (آل عمران،175) ، وقال تعالى:"الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم" (البقرة،268) ، وينتج من هذا التخويف خوف العبد خوفاً موهوماً على نفسه وماله وولده ومستقبله وصحّته ومتاعه إلخ...، وهو خوف غير حقيقي، ويتغلّب المسلم عليه بأن يذكر الله، قال تعالى:"وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم" (الأعراف،200) ، وقال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى"الوسواس الخنّاس":"الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإن سها وغفل وسوس وإذا ذكر الله خنس" (الدر المنثور، ج8، ص694) ، وقال تعالى:"أَلاَ بذكر الله تطمئنّ القلوب" (الرعد،28) .
أما اليأس الذي يصيب الفرد بعد الفشل في تحقيق هدف ما فقد عالجه الإسلام بالإيمان بالقضاء والقدر، فالمسلم عندما يتوجّه إلى تحقيق هدف ما سواء أكان مادياً أم معنوياً، يأخذ بالأسباب ثم يسلّم أمره لله، لأنه ما من شيء سيحدث له أو سيصيبه إلا وهو مسجّل في اللوح المحفوظ، قال تعالى:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير" (الحديد،22) ،"قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكّل المؤمنون" (التوبة،51) ، وقال الرسو صلى الله عليه وسلم:"واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعوا على أنْ ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أنْ يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفِعت الأقلام وجَفَّت الصُحُف" (مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج1، ص293) .
إن هذا الاستسلام للقضاء والقدر هو الذي يبعد اليأس عن قلب المسلم، وهذا الاستسلام يأتي نتيجة امتلاء القلب بتعظيم الله، ونتيجة اليقين بأنّ ما حدث هو إرادة الله، وأنّ الاستسلام له والصبر عليه سيعظم له الأجر وسيعلي مرتبته يوم القيامة.
أمّا الشعور باستحالة مواجهة المعوّقات الخارجية الذي يصيب الفرد فهو منافٍ لأبسط قواعد بناء نفسية المسلم، فالبناء النفسي للمسلم يقوم على أساس أنّ الله هو القوي الغني الوهّاب السميع البصير القادر المحيي المميت إلخ...، وبالتالي هو لا يواجه أيّ مشكلة خارجية بقوّته إنما يواجهها بقوّة الله سبحانه وتعالى والله لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، وعليه فقط أن يكون مع الله في عبادته واستقامته وتقواه ليكون الله معه، يذلّل له العقبات، ويسهّل له كل ما يواجهه، فهناك ثلاث خطوات مطلوبة من المسلم كي يتغلّب على أيّة معوّقات خارجية:
الأولى: أن يأخذ بالأسباب المادية والدنيوية لتحقيق الهدف.
الثانية: أن يتّقي الله حقّ التقوى فهذه التقوى تسبّب تأييد الله له، قال تعالى:"ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً . ويرزُقْهُ من حيث لا يحتسب" (الطلاق،2-3) ، وقال تعالى:"ومن يتّق الله يجعل له من أمره يُسْراً" (الطلاق،4) ، وقال تعالى:"واتّقوا الله واعلموا أنّ الله مع المتقين" (البقرة،194) .
الثالثة: أن يتّجه بالدعاء إلى الله بأنْ يعينه على تحقيق هدفه، قال تعالى:"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" (غافر،60) ، وقال تعالى:"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان" (البقرة،186) ، ويستمرّ العبد في التقرّب إلى الله بالنوافل حتى يحبّه الله ويجيبه على كل دعواته، ويحقّق له كلّ أمانيه، ويصبح قَدَراً من أقدار الله، قال الرسو صلى الله عليه وسلم:"مَنْ عادى لي ولياً فقد آذَنْتُه بالحرب وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنّه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" (صحيح البخاري، ج5، ص2384) .