الخلاصة: جاء حديث عمرو خالد عن المعوّقات التي تواجه المسلم من خوف ويأس وتضخيم للعقبات الخارجية حديثاً يقتصر على دعوته إلى التغلّب عليها، كما جاء خالياً من تحديد أيّة آليّة للتغلّب عليها، مع أنّ تعاليم الإسلام غنيّة في رسم آليّات للتغلّب عليها كما وضّحنا سابقاً، لذلك فوّت عمرو خالد فرصة كبيرة في معالجة هذه المعوّقات معالجة حقيقيّة عندما لم يبرز دور الإسلام في كيفيّة معالجتها.
ثانياً: عدم الجدّية:
أشار الداعية عمرو خالد إلى أن شبابنا بشكل خاص ومجتمعنا بشكل عام يعاني من عدم الجدّية، وذكر بصورة أدقّ أنه يعاني من"التفاهة"و"الهيافة"، ودعا إلى التخلّص من هذا المرض، وتحدّث عن أشخاص يمثّلون الجدّية في أبهى حالاتها، فتحدّث عن بعض المواقف الجادّة لأبي بكر الصدّيق وسعد بن أبي وقّاص وعمر بن العزيز رحمه الله أجمعين، واعتبر أن الإعلام يستغلّ جسد المرأة لترويج الميوعة، واعتبر أن مثل هذا الاستغلال احتقار للمرأة، واعتبر أنّ مثل هذه التصرّفات إشاعة للفاحشة، وأنّ احترام المرأة يكون بعدم استغلال جسدها.
نلاحظ من خلال استعراضنا السابق لكلام الداعية عمرو خالد عن فقدان شبابنا للجدّية أنه لم يحدّد الأسباب التي أدّت إلى ذلك، وإنما قدّم خلال الحلقة كلّها أمثلة عن وجود الجدّية عند بعض الشخصيات التاريخية. إنك لا تستطيع أن تحدّد العلاج للخروج من دائرة عدم الجدّية إلا إذا حدّدت الطريق الذي تبني به الجدّية، وليس من شكّ بأنّ ديننا الإسلامي خير من يبني الجدّية في النفس الإنسانية، فكيف بناها الإسلام؟
نفى القرآن الكريم اللعب واللّهو عن الله تعالى عند استهدافه الخلق، فقال تعالى:"وما خاقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين . ما خلقناهما إلا بالحق ولكنّ أكثرهم لا يعلمون" (الدخان،38-39) ، كما نفى العبث عن خلق الله تعالى للإنسان:"أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون . فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو ربّ العرش الكريم" (المؤمنون،115-116) ، وأشارت الآيات القرآنية إلى الحكمة في كل ما خلقه الله، فقال تعالى:"سبّح اسم ربّك الأعلى . الذي خلق فسوّى . والذي قدّر فهدى" (الأعلى،1-3) ، وبيّن أن كل شيء مخلوق بقَدَر لحكمة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، فقال تعالى:"إنا كل شيء خلقناه بقدر" (القمر،49) ، بعد نفي العبث عن خلق الكون يأتي نفي العبث عن خلق الإنسان ويكون ذلك بمحاسبته وسؤاله، قال تعالى:"أيحسب الإنسان أن يترك سدى" (القيامة،36) ، وقال تعالى:"فلنسألنّ الذين أُرسل إليهم ولنسألنّ المرسلين" (الأعراف،6) ، وبيّن الله تعالى أن نتيجة المحاسبة تكون بإدخال الطائعين المحسنين الجنّة، وإدخال العاصين النار، فقال تعالى عن الجنّة:"إنّ المتقين في جنات وعيون . آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين . كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون . وبالأسحار هم يستغفرون" (الذاريات،15-18) ، وقال تعالى أيضاً عن نعيم أهل الجنّة:"وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين . في سدر مخضود . وطلح منضود. وظلّ ممدود . وماء مسكوب . وفاكهة كثيرة . لا مقطوعة ولا ممنوعة . وفُرُش مرفوعة . إنّا أنشأناهنّ إنشاءاً . فجعلناهنّ أبكاراً . عُرُباً أتراباً . لأصحاب اليمين . ثُلَّة من الأولين . وثُلَّة من الآخرين" (الواقعة،27-40) ، وقال تعالى عن عذاب أهل النار:"وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال . في سموم وحميم . وظلّ من يحموم . لا بارد وكريم . إنهم كانوا قبل ذلك مترفين . وكانوا يصرّون على الحِنْث العظيم . وكانوا يقولون أئذا متنا وكنّا تراباً وعظاماً أئنّا لمبعوثون . أَوَآباؤنا الأولون . قل إنّ الأولين والآخرين . لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم . ثم إنكم أيها الضالّون المكذّبون . لآكلون من شجر من زقوم . فمالئون منها البطون . فشاربون عليه من الحميم . فشاربون شرب الهيم . هذا نزلهم يوم الدين" (الواقعة،41-56) ، وقال تعالى عن النار أيضاً:"إنّ جهنم كانت مرصاداً . للطاغين مآباً . لابثين فيها أحقاباً . لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغسّاقاً . جزاءاً وفاقاً . إنهم كانوا لا يرجون حساباً . وكذّبوا بآياتنا كِذّاباً . وكل شيء أحصيناه كتاباً . فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً" (النبأ،21-30) .
تتولّد الجدّية عندما يوقن الإنسان أن هناك محاسبة دقيقة، وأن هناك سؤالاً، وأن هناك ناراً، وأن هناك جنّة، عندما يتأكّد من وجود الحساب تبدأ الجدّية. ويمكن أن نمثّل بتلاميذ المدرسة، فلولا الامتحان ويقينهم بأن هناك أسئلة ستأتيهم لما جدّوا في الحفظ والاستيعاب والسهر، إنّ يقينهم بالرسوب والنجاح هو الذي ولّد عندهم الجدّية في التعامل مع المواد الدراسية.