وقد ملأت الشخصيّات الجادّة أُفُق التاريخ الإسلامي على مدار أربعة عشر قرناً في كل المجالات العلمية والاجتماعية والعسكرية والسياسية والفنّية بسبب اليقين بوجود الحساب والسؤال في الآخرة عن نعم الله المتعدّدة التي وهبها الله للإنسان، قال تعالى:"ثمّ لتُسألنّ يومئذ عن النعيم" (التكاثر،8) . ومن هنا يمكن أن نشير إلى أنّ الآيات الكثيرة التي تحدّثت عن الجنّة والنّار، وفصّلت في وصف نعيم الجنّة، وأطنبت في الحديث عن عذاب النّار لم تأت عبثاً إنما جاء القصد منه توليد الجدّية في شخصية المسلم، وإيقاظه من غفلته، وتوعيته إلى أنّ هناك أحد مصيرين: إما الجنّة وإما النّار، لذلك عليك أن تكون جادّاً في الاستفادة من صحّتك وجسمك وعقلك ومالك ووقتك وعلمك فيما يرضي الله تعالى، وفيما يعود عليك بالخير وعلى مجتمعك، لأنك ستسأل عن كل تلك النعم، وستحاسب عليها حساباً وثيقاً.
لذلك كان على الداعية عمرو خالد أنْ يبرز ركن الإيمان باليوم الآخر، ويوجّه قلوب مستمعيه إلى الخوف من نار الله وإلى رجاء جنّة الله، وإلى أنْ يركّز على الحساب الدقيق الذي سيتعرّض له العبد، إنّ كل هذا سيولّد الجدّية في أروع صورها كما ولّدها هذا الركن على مدار مئات السنين السابقة، وهو ما لم يقم به عمرو خالد لذلك نستطيع أن نقرّر أنه لم يعالج الموضوع معالجة سديدة ومفيدة.
عمرو خالد وبرنامج"صنّاع الحياة": هل يصنعان نهضة ؟ (الحلقة الثانية)
تحدّثت في الحلقة الماضية عن مرضين منتشرين بين المسلمين تعرّض لهما عمرو خالد وهما: السلبية، وعدم الجدّية، وبيّنت أنه تحدّث عن المعوّقات والأسباب التي تجعل المسلم سلبيّاً، ودعاه إلى أن يكون إيجابيّاً دون أن يحدّد أيّة خطوات في في هذا الصدد، وبيّنت أنّ تعاليم الإسلام غنيّة في تقديم آليّات للتغلّب على تلك السلبيّة، لذلك وضّحت أنّ عمرو خالد فوّت فرصة كبيرة عندما لم يبرز دور الإسلام في كيفيّة معالجة أسباب السلبيّة.
أمّا حديث عمرو خالد عن مرض عدم الجدّية فقد بيّنت أنه ذكر وجوده بين شبابنا اليوم، ثم تحدّث عن بعض الشخصيّات التي اتسمت بالجدّية في تاريخنا الإسلامي وهي كثيرة بالفعل، لكنّه لم يبيّن كيفيّة توليدها، وشرحت أنّ هناك منهجاً متكاملاً لتوليد الشخصية الجادّة في الإسلام وأبرز عناصره اليوم الآخر لم يستفد منه عمرو خالد، لذلك قرّرنا أنه لم يعالج الموضوع معالجة سديدة ومفيدة.
والآن سأنتقل إلى مناقشة خُلُقين آخرين مهمّين في بناء الشخصية المسلمة وهما: الإتقان، والإرادة. ومن الطبيعي أنّ حديث عمرو خالد عنهما جاء نتيجة الخلل الموجود في التعامل معهما من جهة، ولأهمّيتهما في بناء الحياة الاجتماعية من جهة ثانية, وسأتناول حديثه عن عدم الاتقان وعن الإرادة، وسأُبيّن مدى الصواب ومدى النقص في معالجته لهذين الخُلُقين.
ثالثاً: الإتقان: