فهرس الكتاب

الصفحة 21102 من 27364

يقول السيد رحمه الله في المعالم:

لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة ، وأن يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا:

أن لا اله إلا الله ، وأن يمضي في دعوته يعرِّف الناس بربهم الحق ، ويُعَبِّدَهم له دون سواه .

ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسر السبل إلى قلوب العرب !

فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى"إله"ومعنى:"لا إله إلا الله". كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا ..

وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله - سبحانه - بها ، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ، وردّه كله إلى الله ..

السلطان على الضمائر ، والسلطان على الشعائر ، والسلطان على واقعيات الحياة ، والسلطان في المال ، والسلطان في القضاء ، والسلطان في الأرواح والأبدان ..

كانوا يعلمون أن"لا إله إلا الله"ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية ، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب ، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله ..

ولم يكن يغيب عن العرب - وهم يعرفون لغتهم جيداً ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة -"لا اله إلا الله"- ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم ، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف ، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام ..

فلمَّا تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة ..

لَمَّا عرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. لَمَّا تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء ..

لَمَّا تقررت في القلوب"لا إله إلا الله".. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون .. تطهرت الأرض من"الرومان والفرس"..

لا ليتقرر فيها سلطان"العرب". ولكن ليتقرر فيها سلطان"الله"..

لقد تطهرت من سلطان"الطاغوت"كله ..

رومانياً ، وفارسياً ، وعربياً ، على السواء .

وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته . وقام"النظام الإسلامي"، يعدل بعدل الله ، ويزن بميزان الله ، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده ، ويسميها راية"الإسلام". لا يقرن إليها اسماً آخر ، ويكتب عليها:"لا اله إلا الله"!

وتطهرت النفوس والأخلاق ، وزكت القلوب والأرواح ، دون أن يحتاج الأمر حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هناك في الضمائر ، ولأن الطمع في رضى الله وثوابه ، والحياء والخوف من غضبه وعقابه ، قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات .

وارتفعت البشرية في نظامها ، وفي أخلاقها ، وفي حياتها كلها ، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط ، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام .

ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام ، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم ، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك . وكانوا قد وُعِدُوا على إقامة هذا الدين وعداً واحداً ، لا يدخل فيه الغلب والسلطان .. ولا حتى لهذا الدين على أيديهم .. وعداً واحداً لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا .. وعداً واحداً هو الجنة . هذا كل وعدوه على الجهاد المضني ، والابتلاء الشاق ، والمضي في الدعوة ، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان ، وهو:"لا إله إلا الله"!

فَلَمَّا أن ابتلاهم الله فصبروا ، ولَمَّا أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم ، ولَمَّا أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائناً ما كان هذا الجزاء ، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم ، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولَمَّا لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم ، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض ، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت ..

لَمَّا أن علم الله منهم ذلك كله ، علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى ..

أمناء على العقيدة ، التي يتفرد فيها الله - سبحانه - بالحاكمية في القلوب والضمائر ، وفي السلوك والشعائر ، وفي الأرواح والأموال ، وفي الأوضاع والأحوال ..

وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها ، وعلى عدل الله يقيمونه ، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم ، ولا لعشيرتهم ، ولا لقومهم ، ولا لجنسهم . إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله ، ولدينه وشريعته ، لأنهم يعلمون أنه من الله ، هو الذي آتاهم إياه .

ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع ، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء . وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها ..

راية لا إله إلا الله .. ولا ترفع معها سواها . وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره ، المبارك الميسر في حقيقته .

وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله ، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية ، أو دعوة اجتماعية ، أو دعوة أخلاقية .. أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد:"لا اله إلا الله".

ذلك شأن القرآن المكِّي كله في تقرير:"لا إله إلا الله"في القلوب والعقول ، واختيار هذا الطريق - على مشقته في الظاهر - وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى ، والإصرار على هذا الطريق .

فأما شأن هذا القرآن في تناول قضية الاعتقاد وحدها ، دون التطرق الى تفصيلات النظام الذي يقوم عليها ، والشرائع التي تنظم المعاملات فيها ، فذلك كذلك مما ينبغي أن يقف أمامه أصحاب الدعوة لهذا الدين وقفة واعية .

إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بهذا ..

فهو دين يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة ..

كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير ..

وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة ، الوارفة المديدة الظلال ، المتشابكة الأغصان ، الضاربة في الهواء ..

لا بد لها أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة ، وفي مساحات واسعة ، تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء ..

فكذلك هذا الدين .. إن نظامه يتناول الحياة كلها ، ويتولى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها ، وينظم حياة الإنسان - لا في الحياة الدنيا وحدها ولكن كذلك في الدار الآخرة ، ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها ، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها ولكن كذلك في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا - فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية ، ولا بد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضاً ..

هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته ، يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده ، ويجعل بناء العقيدة وتمكينها ، وشمول هذه العقيدة واستغراقها لشعاب النفس كلها ..

ضرورة من ضروريات النشأة الصحيحة ، وضماناً من ضمانات الاحتمال ، والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء والضارب من جذورها في الأعماق .

ومتى استقرت عقيدة:"لا إله إلا الله"في أعماقها الغائرة البعيدة ، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه"لا إله إلا الله"، وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة ، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام ، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته ، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته . فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان ..

وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس - فيما بعد - تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول ، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها ، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له ..

وهكذا أبطلت الخمر ، وأبطل الربا ، وأبطل الميسر ، وأبطلت العادات الجاهلية كلها .. أبطلت بآيات من القرآن ، أو كلمات من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها ، ونظمها وأوضاعها ، وجندها وسلطاتها ، ودعايتها وإعلامها ، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات ، بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات !

وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلى في هذا المنهج القويم . إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد .. جاء ليحكم الحياة في واقعها ، ويواجه هذا الواقع ليقضى فيه بأمره .. يقره ، أو يعدله ، أو يغيره من أساسه ..

ومن ثم فهو لا يشرِّع إلا لحالات واقعة فعلاً ، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده ..

إنه ليس"نظرية"تتعامل مع"الفروض"! ..

إنه"منهج"، يتعامل مع"الواقع"! ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت