فهرس الكتاب

الصفحة 21103 من 27364

فلا بد أولاً أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة: أن لا إله إلاَّ الله ، وأن الحاكمية ليست إلا لله ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله ، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة ..

وحين يقوم هذا المجتمع فعلاً ، تكون له حياة واقعية ، تحتاج إلى تنظيم والى تشريع .. وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع لقوم مستسلمين أصلاً للنظم والشرائع ، رافضين أصلاً لغيرها من النظم والشرائع ..

ولا بد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من سلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع حتى يكون للنظام هيبته ، ويكون للشريعة جديتها ..

فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من واقعية تقتضي الأنظمة والشرائع من فورها ..

والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم . وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله ..

ومن ثم لم ينزِّل الله لهم في هذه الفترة تنظيمات وشرائع ، وإنما نزَّل لهم عقيدة ، وخلقاً منبثقاً من هذه العقيدة بعد استقرارها في الأعماق البعيدة .. فلما أن صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان ، تنزلت عليهم الشرائع ، وتقرر لهم النظام الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية ، والذي تكفل له الدولة بسلطاتها الجدية النفاذ .

ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة ، ليختزنوها جاهزة حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة ! إن هذه ليست طبيعة هذا الدين ! ..

إنه أشد واقعية من هذا وأكثر جدية ! .. إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولاً .. إنما يواجه الواقع حين يكون واقع مجتمع مسلم مستسلم لشريعة الله رافض لشريعة سواه بحجمه وشكله وملابساته وظروفه ، ليشرع له ، وفق حجمه وشكله وملابساته وظروفه .

والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ نظريات وأن يصوغ قوالب نظام ، وأن يصوغ تشريعات للحياة ..

بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلاً تحكيم شريعة الله وحدها ، ورفض كل شريعة سواها ، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه ..

الذين يريدون من الإسلام هذا ، لا يدركون طبيعة هذا الدين ، ولا كيف يعمل في الحياة .. كما يريد له الله ..

إنهم يريدون منه أن يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه نظريات بشرية ، ومناهج بشرية ، ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم ، رغبات إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة ..

يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب نظريات وفروض ، تواجه مستقبلاً غير موجود .. والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده .. عقيدة تملأ القلب ، وتفرض سلطانها على الضمير ، عقيدة مقتضاها ألاَّ يخضع الناس إلاَّ لله ، وألاَّ يتلقوا الشرائع إلاَّ منه دون سواه ..

وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم ، ويصبح لهم السلطان الفعلي في مجتمعهم ، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية ، وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك .

هذا ما يريده الله لهذا الدين ..

ولن يكون إلا ما يريده الله ، مهما كانت رغبات الناس !

كذلك ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين ، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة - حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين ، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون ! - يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو"أولاً"إقرار عقيدة:"لا إله إلا الله"- بمدلولها الحقيقي ، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله ، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم ، إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم ، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم ..

ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام ، كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة ..

هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاماً كاملة ..

فإذا دخل في هذا الدين - بمفهومه هذا الأصيل - عصبة من الناس ..

فهذه العصبة هي التي يطلق عليها إسم"المجتمع المسلم"..

المجتمع الذي يصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياته الاجتماعية ، لأنه قرر بينه وبين نفسه أن تقوم حياته كلها على هذا الأساس ، وألا يحكم في حياته كلها إلا الله .

وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه ، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية ، في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي ..

فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي ..

فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد .

ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين ، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين ، وطبيعة منهجه الرباني القويم ، المؤسس على حكمة العليم الحكيم وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة ..

نقول:

لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس ، مما ييسر لهم طريق الدعوة ، ويحبب الناس في هذا الدين !

وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة !

وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون:

أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية ، أو راية اجتماعية ، أو راية أخلاقية ، تيسيراً للطريق !

إن القلوب يجب أن تخلص أولاً لله ، وتعلن عبوديتها له وحده ، بقبول شرعه وحده ، ورفض كل شرع آخر غيره ..

من ناحية المبدأ ..

قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه !

إن الرغبة يجب أن تنبثق من إخلاص العبودية لله ، والتحرر من سلطان سواه ، لا من أن النظام المعروض عليها ..

في ذاته ..

خير مما لديها من الأنظمة في كذا وكذا على وجه التفصيل .

إن نظام الله خير في ذاته ، لأنه من شرع الله ..

ولن يكون شرع العبيد يوماً كشرع الله ..

ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة . إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيّاً كان ، ورفض كل شرع غيره أيّاً كان ، هو ذاته الإسلام ، وليس للإسلام مدلول سواه ، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية ، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت