أمة الإسلام: ومع خطورة هذه المشابهات الظاهرية ومثيلاتها وما فيها من تبعية للكفار، فالأمرُ أعظمُ وأخطرُ حين يتجاوز ذلك إلى التشبه في الباطن، فلا يقف الأمرُ عند حدود المحسوسات مع خطورتها بل ويشمل المعنويات، ويأتي على القيم وأنماط التفكير، ويشيع التقليدُ في القضايا الخطرة، وجوانب الحياة الأساسية، فثمة مسلمون يفكرون بعقلية غير إسلامية، وثمة كُتابٌ منتسبون إلى الإسلام وكتابتهم ليست من الإسلام في شيء !!
وما أخطرَ التعليم حين تجري مناهجهُ في بلاد المسلمين على وفق مناهج غير المسلمين، فتنشأ ناشئة المسلمين ضائعة الهوية مسلوخة العقيدة الحقة مفتونةً بقيم وحضارات الكافرين .
وليس أقلَّ خطراً منه الإعلامُ حين تُسير قنواتهُ المختلفة محاكيةً لإعلام غير المسلمين، فتضيُع الحقيقة وتُرتهنُ الكلمة الصادقة، ويروجُ الخداعُ والنفاق، ويغيبُ فيه الدفاعُ عن قضايا المسلمين، ويُمجد من لا يستحق التمجيد، وتسوّدُ الصفحات بتوافه الأمور وسواقط الأخبار، وما أعظم الخطبُ في مجال الاقتصاد إذا نسي المسلمون أو تناسوا زواجر القرآن عن أكل المال الحرام فساد الربا وانتشر الاحتكار ومورس القمار وكان الغشُّ في البيع والشراء، وشابه المسلمون الكفار في سياساتهم الاقتصادية المحرمة، وأعلنوا الحرب صراحةً مع الله إذ لم يسمحوا بانتشار الاقتصاد الإسلامي النَزيه أو ضيقوا عليه الخناق وكم هو مصابٌ إذا نحيت شريعةُ السماء عن الحكم في الأرض واستبدلت بالقوانين البشرية المستوردة من الكافرين .
وما أشدَّ البلية حين يُقلّدُ المسلمون غيرهم في بناء المساجد والقباب على القبور أو يُطاف بها أو يستشفع بأصحابها، وتلك من عوائد اليهود والنصارى التي نُهي عنها المسلمون قال عليه الصلاة والسلام: (( لعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) ) [9]
وفي الحديث الآخر: (( أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ) ) [10] .
عباد الله: ولم تكن المرأة المسلمة بمعزل عن هذا التقليد الأبله والتشبِّه المذموم وإن شابك شكٌّ فألق نظرةً فاحصةً على عدد من حواضر العالم الإسلامي، ومسيرة المرأة ونمطِ حياتها، وسيهولك الأمر في الشكل والهندام وسيقضُّ مضجعك الاختلاطُ المحموم، والسفورُ المستهتر وتنفطر أكبادُ الغيورين لركض المرأة وراء أحدث الموديلات والموضات، ومسارعتِها الخطا لتقليد الكافرات، وأصبحت المرأة هدفاً لتوصيات المؤتمرات العالمية وضحية تخطيط المنظمات المعادية، ولم يعد في الأمر سرُّ أو استحيا، وكأن المسلمين كلٌّ مباحٌ ورعايا سائبة يحتاجون إلى رعاةٍ وتُفرض عليهم الوصايةُ، ويتنازع الغربُ والشرقُ في الإشراف على برامجهم وتصدير البضائع إليهم ؟!
أجل لقد صدقت فينا معاشر المسلمين نبوءة صلى الله عليه وسلم حين قال: (( لتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ شِبْراً شِبْراً ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتَّى لوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلنَا يَا رَسُول اللهِ: اليَهُودُ وَالنَّصَارَى ؟ قَال: فَمَنْ ) ) [11]
يا ويح أمة صلى الله عليه وسلم كيف استساغت التبعية بعد القيادة ؟ وكيف رضيت بمحاكاة التائهين وهي المؤهلةُ لإصلاح فساد الأمم أجمعين ؟ وكيف قبلت أن تشهد عليها الأممُ بذلِّ التبعية وضحالة التفكير، وضعف الانتماء، والارتماء في أحضانِ الآخرين، وهي الأمةُ الوسطُ التي جعلها الله شاهدةً على الناس بمحكم التنْزيل: (( وَكَذَلِكَ جَعَلنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَليْكُمْ شَهِيداً ) ) (البقرة: من الآية143) .
وتستمر عدالتُها وتقبل شهادتُها على الأمم المكذبة يوم الدين تأملوا هذا النصَّ وما فيه من العبرة لعلكم تذكرون، أخرج الإمام البخاري في صحيحه أن صلى الله عليه وسلم قال: (( يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالى: هَل بَلغْتَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَل بَلغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: لا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لكَ: فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ r وَأُمَّتُهُ فَتشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلغَ وَهُوَ قَوْلُهُ جَل ذِكْرُهُ: (( وَكَذَلِكَ جَعَلنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النَّاسِ ) ))) [12] .
فهل تدركُ الأمةُ حقيقة موقعها وطبيعة تميزها، وضخامة دورها وتفيء إلى أصالتها وتعتِّز بقيمها ؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( وَلا تَرْكَنُوا إِلى الذِينَ ظَلمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) ) (هود:113) .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية