الحمد لله ربِّ العالمين أحمده تعالى وأشكره وهو للحمد أهل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدهُ ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صلِ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين .
أما بعد: فعباد الله: فحتى تتضح الصورةُ وتتبين الحكمةُ من مخالفة أصحاب الجحيم، وعدم التشبه بالكافرين أسوق لكم عدداً من أدلةِ الكتاب والسنةِ ومدلولاتِها في النهي والتحذير من ذلك، إذ كان ذلك من تكاليف هذه العقيدة الربانية التي ندينُ بها ونؤمن بمنْزلها .
يقول تعالى مخاطباً رسول صلى الله عليه وسلم ليبلغ أمته: (( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الذِينَ لا يَعْلمُونَ* إِنَّهُمْ لنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) ) (الجاثية:18-19) .
يقول في تفسيرها شيخُ الإسلام ابنُ تيمية - رحمه الله: (( جعل اللهُمحمدا صلى الله عليه وسلم على شريعة من الأمرِ شرعها له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، ويدخل في الذين لا يعلمون كلُّ من خالف شريعتَه، وأهواءهم: هي ما يهوونه ولو فرض أن الفعل ليس من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسمُ لمادة متابعتهم في أهوائهم، وأعونُ على حصولِ مرضاةِ الله في تركها [13]
وقال تعالى: (( وَلنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) ) (البقرة:120) .
فانظر كيف قال في الخبر (( ملتهم ) )وقال في النهي: (( أهواءهم ) )لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملةِ مطلقاً، والزجرُ وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير [14]
معاشر المسلمين: وتأملوا في حادثة تغيير القبلة حينما هاجر النبيُ r وصحبهُ من المدينة - وكان بها يهود - وتوجيه القرآن للمسلمين في قوله تعالى: (( وَلئِنْ أَتَيْتَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلةَ بَعْضٍ وَلئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لمِنَ الظَّالِمِينَ ) )إلى قوله تعالى: (( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَليْكُمْ حُجَّةٌ...) (البقرة: 145-150) .
فلقد استمر النبيُ r في الاتجاه بصلاته نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً )) [15]
ولاشك أن هذا التوجيه لقي رغبةً وترحيباً من اليهود إذ يوافقهم النبيُ r في قبلتهم، وربما استغلوا ذلك وقالوا: (يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا) [16]
وكان الرسو صلى الله عليه وسلم يتطلع إلى الوحي ويرغب التوجه إلى الكعبة عودة إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، ورغبةً في تميز المسلمين بقبلتهم عن اليهود، فنَزل الوحيُّ مبيناً هذه الرغبة ومحقاً للحق ومستجيباً لنبيه ومميزاً للمسلمين عن غيرهم وكاشفاً لأهواء واعتراض السفهاء من الناس: (( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ليَعْلمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) ) (البقرة:144) .
قال غيرُ واحد من السلف في حكمة تغير القبلة: لئلا يحتج عليكم اليهودُ بالموافقةُ في القبلة فيقولوا: قد وافقونا في قبلتنا فيوشكُ أن يوافقونا في ديننا فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، قال العلماء: (( وهذا المعنى ثابتٌ في كل مخالفة وموافقة فإن الكافر إذا أُتبع في شيء من أمره كان له من الحجة مثل ما كان - أو قريبٌ مما كان - لليهود من الحجة في القبلة ) ) [17] .
ولم يقف الأمر عند حدود النهي بل أشارت آياتُ القرآن وأحاديثُ المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أن من اتبع الكافرين وقلدهم فهو منهم ومصيرُهم مصيرهم قال تعالى: (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) ) (النساء:115) .
(( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) (المائدة:51) .
وقال عليه الصلاةُ والسلام: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) [18] ،