فهرس الكتاب
إن الرجل العادي - الذي يسمونه"رجل الشارع"كأنه لا بين له ولا انتماءله ! - مشغول بأحواله المعيشية الخاصة عن النظر الحقيقي في الأمور العامة وتكوين رأي مستقل فيها . وذلك لسبين ، أحدهما عام لا يختص ببيئة معينة ولا زمن معين ، هو أن الأغلبية الكبري من الناس لا تحب أن تشغل نفسها بالأمور العامة ولا تصبر على التعمق فيها ، وليس عندها الأدوات المعيشة على ذلك من نفقة وتدبر وبعد نظر وإحاطة بالأسباب والنتائج ، فتحب أن تترك هذه الأمور لفئة معينة من الناس ، تثق فيها وتكل إليها هذه المهمة الخطيرة . والسبب الثاني خاص بهذه الديمقراطية الليبرالية بالذات ، أو هو في الحقيقة خاص بالجاهليات جميعا ولكنه في هذه الجاهلية التي يشرف اليهود على توجيهها أشد ، وهو التلهية الدائمة لرجل الشارع هذا عن أي يلتفت إلى الأمور العامة بنظر مستقل وفكر متفحص ، عن طريق شغله بأمور معاشه من جهة وأمور لهوه و"استمتاعه"من جهة أخرى نقول إن هذا موجود في الجاهليات جميعا ، حتى يتفرع أصحاب السلطان لسلطانهم دون تدخل من يقظه الجماهير ، التي قد تتيقظ فتطالب بحقوقها المسلوبة ، التي يعيش - من سلبها - أصحاب السلطان ! ولكنه في هذه الجاهلية أشد لأن اليهود ية - او أن شئت قل الرأسمالية - تشغل الناس شغلا داما بأمور المعاش لكي تربح هي ربحا الفاحش ، فاليوم الثلاجة وغدا السيارة وبعد غد تغيير السيارة لأن الجديد أكثر أناقة أو فيها زر إضافي ليس في السابقة ! كما تشغلهم باللهو الدائم فاليوم السينما وغدا المسرح وبعد غد حلبة الرقص وبعده النزهة الخلوية .. والليلة موعد مع الصديقة وبعدها صديقة أخرى أو حفل جنسي صاخب .. وهكذا ، لتربح الرأسمالية - أو قل اليهود ية - أرباحا مركبة: ربح المال ، وربح إفساد الأمميين ، وربح تلهيتهم عما يدور حولهم من أمور ، ليخطط المخططون وهم في مأمن كامل من يقظة الجماهير !
إذا كان الحال كذلك على الحقيقة فأين هو"الرأي العام"الحقيقي الذي يوجه السياسة في الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية ؟! إنه في الحقيقة أصحاب رؤوس الأموال .. هم الذين يرسمون السياسية ، وهم الذين يشكلون"الرأي العام عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى ، فيصوغونه على النحو الذي يرى دون .. النحو الذي يحقق مصالحهم في النهاية ، ولا بأس أن يترك شيئا من الفتات"للشعب"حتى لا يتحول إلى كلاب جائعة تهدد المكتنزين !"
حقيقة ان هناك نوابا وتمثيلا نيابيا وهناك برلمان يقول فهي من أراد كل ما يرى د أن يقول
ولكن من هم النواب في حقيقة الواقع ؟
هل يتاح لأي إنسان أن يصل إلى البرلمان ويوجه الأمور من هناك ، كما هي الصورة النظرية للديمقراطية ؟
أن المعركة الانتخابية في حاجة إلى تكإلى ف لا يقدر عليه ا إلا الأغنياء من الناس ، ومتي كان هو من طبقة الأغنياء فما الذي يجعله يفكر في"طبقة"المساكين ؟ إنهم ليسوا في نظره مساكين ! إنهم من جهة اولئك"الاعداء"الحاسدون لما في يده من النعمة ، الطامعون ، الذين يرى دون أن ينهبوه وينتقصوا أرباحه ! وهم من جهة أخرى أولئك"الطفيليون"الذين لا يحسنون شيئا ويطمعون في كل شئ"الاغبياء"الذين وقف بهم غباؤهم عن أن يصعدوا إلى القيم التي وصلواهم إليها .
وحقيقة إن هناك من الفقراء ومتوسطي الحال من يرشحون أنفسهم وينجحون في الانتخابات .. ولكن كيف يصلون إلى هناك ؟ إنه لابد من أحزاب تحملهم وتحمل عنهم عبء المعركة الانتخابية وهو عبء باهظ .
فإذا دخل الإنسان الحزب فقد تغيرت أحواله كلها وأصبح إنسانا أخر . أصبح"محترفا"في عالم السياسية ، وهو وحزبه في أحد حالتين لا ثالث لهما ، وفي أحد موقفين: إما أن يكون حزبه في الحكم فهو ملتزم بتأييد الحكومة في كل ما تصنع ، سواء كان في دخيله نفسه مقتنعا بما تفعل أو غير مقتنع . وإما أن يكون حزبه في المعارضة - أي خارج الحكم - فهو ملتزم بمعارضة الحكومة القائمة في كل ما تصنع ( إلا أن تكون"مصلحة عامة"أي يستفيد منها الرأسمالي ون جميعا !) سواء كان في دخيله نفسه مقتنعا بالمعارضة أو غير مقتنع !
وهكذا تسمع صيحات: العدل . والقيم . والمبادئ . والإنسانية … إلخ من الحزب المعارض طالما هو في المعارضة ، فإذا وصل إلى الحكم سلك ذات السلوك الذي كان ينتقده ويندد به من قبل ! وصار الدور على الحزب المعارض - الذي كان في الحكم من قبل - لينتقد من الحكومة القائمة ذات الأعمال التي كان يسوغها لنفسه وهو في الحكم ، ويتصايح بدعاوي الإنسانية والعدالة والقيم والمبادئ !
ومن الأمثلة الواقعية - المضحكة - أن حزب العمال في بريطانيا ظل وهو في المعارضة ينادي بضرورة زيادة أجور العمال ، فلما وصل إلى الحكم رفض أن ينفذ ما كان يدعو إلى ه وهو في المعارضة - أو عجز عن تنفيذه ! - وسلك ذات السلوك الذي كان يعيبه من قبل على حزب المحافظين ، وهو تجميد الأجور خوفا من التضخم !
وصحيح أن هناك"أحرارا"يصلون إلى البرلمان ، ويقولون قوله الحق ، وينتقدون بجرأة ، ويطالبون بحقوق أصحاب الحقوق ، ولكن كم عدد هؤلاء ؟ وما وزنهم في المجالس النيابية ؟