فهرس الكتاب
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17) } [سورة آل 3/14-17]
وإذا كانت الجاهلية المعاصرة قد اغفلت ذكر اليوم الآخر لغاية في نفسها وأبرزت الحياة الدنيا وحدها وجعلتها غاية كل شئ ومقياس كل شئ ، فنحن لا نجاري تلك الجاهلية فيما اتجهت إلى ه ، ولا نقرها على تعبيد الناس للحياة الدنيا ، ولكنا نقول إن قضية"من المعبود"؟ ليست متعلقة بالآخرة وحدها وإنما هي من صميم قضايا الحياة الدنيا ، وأن الجواب على هذه القضية لا يتوقف عليه مصير الإنسان في الآخرة وحدها ، بل يتوقف عليه أمر وجوده هنا في الحياة الدنيا ، وبدرجة أكبر بكثير وأخطر بكثير مما يظن المستعبدون للمخطط الشرير من الأمميين المسخرين كالحمير !
إنه بصرف النظر - مؤقتا - عن القيم المتعلقة بالدين ، المستمدة من كون المعبود الواجب العبادة هو الله سبحانه وتعإلى وحده لا شريك ( ولنا عود إليها بعد قليل ) فإن الجواب عليه ذا السؤال الخطير:"من المعبود ؟"يترتب عليه في الوقت ذاته إجابة على سؤال مهم في حياة البشر على الأرض وهو:"من المشرع ؟"
يقول التفسير المادي للتاريخ ، وهو هنا على حق فيما يقول: إن الذي يملك هو الذي يحكم ، وإن الطبقة التي تحكم تضع التشريعات التي تحفظ مصالحها ، ويكون ذلك على حساب الطبقات الأخرى .
لذلك فإن قضية"من المشرع؟"قضية مهمة بالنسبة للناس على الأرض .
وليست قضية جانبية أو ثانوية يمكن التغاطي عنها لقاء بعض المتاع الأرض الزائد عن الحد ، كمتاع الجنس المجنون ، أو"متاع"التبذل في الأرض بلا اخلاق ، الذي قال الله عنه:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) } [سورة محمد 47/12]
فهو متاع الحيوان لا متاع الإنسان
وقضية"من المشرع"؟ هي التي قامت من أجلها الثورات التاريخية كلها حتى هذه اللحظة بسبب المظالم التي تقع من المشرعين الذين يشرعون لصالحهم وصالح الطبقة التي ينتمون إليها ، فيثور المظلومون ليرفعوا هذا الظلم أو ليحاولوا رفعة على أقل تقدير .
فإذا كانت القضية عليه ذا القدر من الأهمية ، وكان لها كل هذا الأثر في حياة الناس على الأرض - بصرف النظر عن مصيرهم بعد ذلك - فلننظر من المشرع الحقيقي في الديمقراطية الليبرالية أو في الحقيقة في أي جاهلية لا تحكم بما أنزل الله .
إنهم بادئ ذي بدء بشر ، ثم هم بعد ذلك طبقة معينة لها مصالح معينة لا تتحقق بصورتها التي يرى دونها إلا على حساب الأخرى ن .
كان الحاكم في الإقطاع هو أمير الإقطاعية الذي يملك ويحكم ، ولا معقب من البشر لحكمة ، لأنه هو السلطة الوحيدة ولا أحد غيره يملك شيئا من السلطان .
والحاكم في الديمقرطية الليبرالية هو الرأسمالية التي تملك وتحكم ولا معقب من البشر لحكمها ، وإن كان التشريع - نظريا - من حق الشعب ، والتعقيب نظريا في يد الشعب !
الرأسمالية - يهودية أو غير يهودية - هي التي تدير المسرحية كلها ، وهي التي تضع التشريعات للمحافظة عل مصالحها ، على حساب مصالح"الشعب"الذي يقع عليه الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كل جاهلية من جاهليات التاريخ
ولا ينبغي أن تخدعنا الصيحات والشعارات عن حقيقة الواقع ، ولا ينبغي كذلك أن يخدعنا وجود بعض الأصوات"الحرة"في المجالس النيابية أو في الصحافة ووسائل الإعلام ، فهذا ذاته جزء من"فن"المسرحية كما أشرنا من قبل ، لأن الرأسمالية التي بيدها السلطان - يهودية أوغير يهودية - تعلم أن هذه الأصوات المتناثرة لن تغير شيئا من الواقع ،ـ ولن تحدث تعديلا حقيقا في أدوار المسرحية المرسومة ،وهي في الوقت ذاته دعاية ضخمة للديمقراطية التي من خلالها تتحقق كل مصالح الرأسمالية ! فكلما ارتفعت هذه الأصوات"الحرة"اطمأنت الجماهير إلى اللعبة الدائرة واستنامت لها ، وتركت أصحاب السلطان ينفذون من خلال اللعبة إلى كل ما يرى دون !