فهرس الكتاب

الصفحة 21428 من 27364

أما الحقوق والضمانات التي نالها الشعب فقد كانت - كما قلنا أكثر من مرة - ثمرة نضال الجماهير ولم تكن ثمرة الديمقراطية ! وإذا كانت الرأسمالية قد تنازلت - مكرهة - عن بعض الفتات خوفا من ضياع الأصل كله ، فلم يكن ذلك بفضل النظام البرلماني ذاته ، بقدر ما كان ذلك راجعا إلى نظام الرأسمالية"الحرة"واعتمادها على العامل الذي يتمتع بقسط محدود من الحرية ، لكي تتمكن هي من تحقيق الأرباح الفاحشة التي تحققها.. ولا تستطيع الرأسمالية الحرة أن تزيد سلطانها أكثر مما واقع في أيديها .. وإلا لفعلت ! لأن الدكتاتورية التي تلزم العمال بالعمل تحت ضغط الحديد والنار لا يمكن أن تتم بصورة جماعية ( أي باجتماع الرأسماليين كلهم بعضهم مع بعض ) لأنها تحتاج بطبيعتها إلى تركيز السلطة في يد فئة محدودة جدا من الناس ، وعندئذ لا يستطيع الرأسمالي ون ذاتهم أن يوجدوا ولا أن يكون لهم سلطان ، لأن السلطة التي تستطيع أن تسخر العمال للعمل تحت القهر ، ستلتهم الرأسماليين أنفسهم كما حدث في الدولة الشيوعية .. ومن هنا تجد الرأسمالية نفسها مكرهة - للمحافظة على وجودها ذاته - أن تسمح بهذا الفتات المتناثرة للشعب ، ويتم ذلك عن طريق هذا اللعب الطريفه . لعبة الديمقراطية ، تحقق بها الرأسمالية أكبر قدر متاح من الربح ، وتترك للشعب كثيرا من المظالم وشيئا من الفتات !

الظلم هو طابع الجاهلية التي يشرع فيها البشر للبشر بدلا من أن يتحاكم البشر كلهم إلى شريعة الله !

إن المجتمع الجاهلي لابد أن ينقسم بطبيعته إلى فئتين اثنتين: سادة وعبيد سادة في يدهم السلطان وفي يدهم التشريع وعبيد يقع عليه م السلطان ويقع عليه م التشريع

وأيا تكن طرافة اللعبة الديمقراطية فهي لا تستطيع أن تخفي هذه الحقيقة وهي أن الرأسماليين هم السادة ، هم المشرعون ، وأن الشعب هو العبيد الذين يقع عليه م عبء التشريع .

حقيقة إن"العبيد"في ظل الديمقراطية الليبرالية هم في أفضل وضع وجد به العبيد في أية جاهلية من جاهليات التاريخ ( بسب طبيعة الرأسمالية الحرة - كما أسلفنا - وعجزها عن تحقيق الربح إلا عن طريق العامل الذي يتمتع بقسط محدود من الحرية ) إلا أن هذا لا يغير حقيقة وضعهم ، وهو إنهم عبيد .. عبيد مهما امتلكوا - في المسرحية الطريفة - من"مظاهر"الحرية !

إن الحرية الحقيقة لا يمكن أن تتحقق في أية جاهلية تحكم بغير ما أنزل الله لأن الحكم بغير ما أنزل الله هو الذي يقسم الناس إلى"أرباب"و"عبيد"! أرباب يشرعون وعبيد ينفذون . ولا يملك العبيد حرية حقيقية إزاء الأرباب !

إن رد"الحاكمية"لله ، أي التحاكم إلى شريعة الله وعدم التحاكم إلى أي شريعة أخرى غير شريعة الله ، فضلا عن كونه من حق الله على عباده لأنه من الخصائص الخالصة للألوهية: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [سورة الأعراف 7/54] فإنه في الوقت نفسه هو الضمان الحقيقي لحرية البشر في الأرض ، وعدم تحويل بعضهم إلى أرباب وأكثريتهم إلى عبيد لأولئك الأرباب .

إن إخلاص العبودية لله وحده- سواء في إفراده بشعائر التعبد أو إفراده الحاكمية - هو الذي يغلي وجود الأرباب ، ويحرر الناس في الأرض من عبودتهم .

ما دام الله وحده هو المعبود - سواء بتقديم الشعائر له وحده أو بتنفيذ شريعته دون كل الشرائع - فمن أين يوجد الأرباب الذين يتعبدون العبيد ؟!

لا يتحرر الناس الحرية الحقيقية في الأرض حين يكون الله وحده هو الرب والناس كلهم - حكاما ومحكومين - عبيدا لله وحده دون شريك .

عندئذ فقط يولد الناس أحرارا ويظلون أحرارا إلى أن تنتهي أجالهم .

وعندئذ فقط يشعر الناس بالاستعلاء - استعلاء الإيمان - على كل قوة في الأرض بشرية كانت هذه القوة أو مادية أو اقتصادية ، لأنهم يستمدون وجودهم وقوته من الله ، والله أكبر .. أكبر من كل قوة في الوجود .

عندئذ يحدث ما حدث في صدر الإسلام ، والعبودية خالصة لله وحده في كل مجال من مجالات الوجود .

يقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا ، فيقف له سلمان الفارسي يقول: لا سمع لك على نا اليوم ولا طاعة حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي أئتزرت به !

ويتحاكم على بن أبي طالب كرم الله وجه إلى القاضي شريح مع اليهود ي الذي سرق درعه فيسأله القاضي: يا أمير المؤمنين ! هل من بينه ؟! فيقول على كرم الله وجه: صدق شريح ! مالي بينه ! فيحكم القاضي بالدرع لليهودي تنفيذ لشريعة الله !

ويستمتع بهذا العدل - الذي يولد الشعور بالحرية - حتى الذين لم يؤمنوا بهذا الدين ولكنهم استظلوا بظله واستظلوا بعدالته ، فيرحل القبطي من مصر إلى المدينة ليشكو إلى عمرو بن العاص حين غلبه الشاب القبطي في السباق .. وهو الذي كان إلى عهد جد قريب تلهب ظهره سياط الرومان فلا يحس بآدمية المسلوبة ولا يتحرك للشكوي .. ولمن يشكو حتى إذا أراد ولكن العدل الرباني المتمثل في شريعة الله هو الذي جعل ضربة العصا توجع الكرامة ، وتحرك الرجل ألوف الأميال طلبا لنصفه ورفعا للظلم .. ويجاب الرجل إلى حقه تحقيقا لشريعة الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت