فهرس الكتاب
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية 45/13]
والجهد الذي يقوم به الإنسان لتحقيق هذا التسخير والأدوات التي يستخدمها هي من عند الله كذلك:
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) } [سورة النحل 16/78]
والشكر يقتضي استخدام هذه الطاقات كلها بمقتضي أوامر المنعم الوهاب .
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن استخدام هذه الطاقات يغير"الصورة"التي يحيا بها الإنسان على الأرض ولكنه لا يغير"الجوهر"الإنساني من حيث تكوينه الأصيل ولا من حيث مهمته في الأرض ، ومن ثم لا تتحكم الصورة المتغيرة في الجوهر الثابت ، إنما يتحكم الجوهر الثابت في الصورة المتغيرة على الدوام
يقول"رينيه دوبو"في كتاب"إنسانية الإنسان"
عاش رجل"كروماجنون C r o-magnon"في أكثر إنحاء أوربا قبل حوإلى ثلاثين ألف سنة ، قبل قيام الزراعة وحياة القرية بفترة طويلة ، ومع أنه كان صيادا بصورة رئيسية ، فقد كان - على ما يظهر - مشابها لنا جسما وعقلا . فأدواته وأسلحته تناسب حجم أيدينا الآن . وفنه في كهوفه يثير مشاعرنا ، والعناية التي كان يوليها لدفن موتاه تكشف أنه شاركنا بشكل ما في الاهتمام بنهاية الإنسان وأخرته ، وكل أثر مدون من أثار إنسان ما قبل التاريخ يوفر شواهد أخرى للفكر القائلة إن الخواص الأساسية للجنس البشري لم تتغير منذ العصر الحجري
وهكذا لا يتغير جوهر الإنسان بتغير الصورة التي تكون عليه ا حياته ، ومن ثم لا تتغير كذلك ضوابطه ومعاييره .
وحقيقة إن التقدم العلمية والمادي والتكنولوجي هو ذاته معيار من معايير"الإنسان".. فقد أنشأ الله الإنسان ليعمر الأرض ، وسخر له ما في السموات وما في الأرض ليقوم بعلمية التعيمر فإن تواني في ذلك أو تقاعس فهو مقصر في جانب من جوانب إنسانية ، ولكن هذا المعيار ليس هو المعيار الأوحد ، ولا هو المعيار الأول ، إنما يأتي في مكانة الطبيعي بعد تقرير المبادئ والقيم التي تتوقف عليه ا إنسانية الإنسان ، والفارق بينه وبين المعايير الأخرى - معايير القيم والمبادئ - أن القيم والمبادئ يمكن أن تشكل إنسانا ولو كان ناقصا في جانب التقديم العلمي والمادي والتكنولوجي ، فهو"إنسان"ولكن ينقصه جانب من الجوانب ينبغي عليه استكماله ليستكمل إنسانيته ، أما التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي - بغير قيم ومبادئ - فلا يشكل إنسانا على الإطلاق !
ومصداق ذلك هو"إنسان"القرن العشرين ! الذي هو أقرب شئ إلى إنسان الغاب""
إنه في قمة التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي .. ولكنه بمقياس الإنسانية هابط إلى الحضيض !
( ( (إذا قومنا الديمقراطية الليبرالية بالمعيارين يقوم بهما الإسلام حياة البشر على الأرض ، وهما قضية العبادة وقضية إنسانية الإنسان ، فماذا تكون يا تري حصيلتها في الميزان ؟!
فأما العباد فقد تبين لنا أنه ليس الله هو المعبود في تلك الديمقراطية إنما هو الشيطان ، وحيثما لا يكون الله هو المعبود فالمعبود هو الشيطان وإن تعددت السبل وتعددت المسميات
{أَلَمْ أَعْهَدْ إلى كُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) } [سورة يس 36/60-61]
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام 6/153]
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [سورة البقرة 2/257]
والطاغوت هو كل شئ أو شخص أو نظام يعبد الناس لغير الله ، أو يتعبده الناس من دون الله ، وعبادته فرع عن عباده الشيطان .
وأما إنسانية الإنسان فأين هي على وجه التحديد في الدوامة الوحشية التي يعيش فيها الإنسان الجاهلي المعاصر ؟
هي في مبادة الجنس المتدنية إلى أدني من بعض أنواع الحيوان ؟
أهي في إدمان الخمر والمخدرات ؟
أهي في الجريمة التي تتزايد نسبتها على الدوام ؟
أهي في تفاهة الاهتمامات والبحث الدائم عن المتاع الحسي الغلي؟
أهي في العبودية للالة التي أصبحت هي التي تتحكم في حياة الإنسان؟
أهي في شريعة الغاب: القوة هي الحق ، والقوي يأكل الضعيف ؟
أهي في المواثيق التي تبرم لتنقض والعهود القائمة على الخداع ؟
أهي في هذا المسخ المشوة الذي فقد إشراقه الروح وعاطفة الإنسان ؟