فهرس الكتاب

الصفحة 21482 من 27364

فيا حسرةً على العلم والعلماء، ويا أسفاه على الدين ودُعاته الربانيِّين المخلصين... والله إنه لغريبٌ غربةً ما مثلها غربة، ولا أقول بين عوام النَّاس بل بين كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن لا يفقهون معنى (لا إله إلا الله) ولا يعرفون لوازمها ومقتضياتِها وشروطَها، بل أكثرهم ينقضها بالليل والنهار، ويتلطخون بشرك العصر وذرائعه ثم يحسبون أنهم موحِّدون بل يزعمون أنهم من دعاة التوحيد فليُراجعوا أنفسهم وليجلسوا في حلقِ العلم ليتعلموا حقيقة (لا إله إلا الله) فإنها أول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه، وليتعلموا شروطَها ونواقضَها قبل نواقض الوضوء والصلاة فإنه لا يصح وضوءٌ ولا صلاةٌ لمن نقضها... فإنْ أعرضوا واستكبروا فهم وحدهم بذلك الخاسرون..

وأختتم هذا بكلامٍ نفيس للعلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى يرد فيه على أمثال هؤلاء الملبِّسين الذين يُحرِّفون كلام الله ويفترون عليه سبحانه الكذب باستشهادهم بقوله سبحانه تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} (1) . لنصرةِ وتطبيقِ الديمقراطية الكافرة.

حيث قال رحمه الله في هامش (عمدة التفسير) (2) . عند تفسير قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} (3) . والآية الأخرى {وأمرهم شورى بينهم} : (اتخذهما اللاعبون بالدين في هذا العصر ـ من العلماء وغيرهم ـ عُدتهم في التضليل بالتأويل، ليُواطؤا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون النّاس بتسمينه"النظام الديمقراطي"! فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعاراً من هاتين الآيتين، يخدعون به الشعوب الإسلامية أو المنتسبة للإسلام. يقولون كلمة حق يُراد بها الباطل يقولون:"الإسلام يأمر بالشورى"ونحو ذلك من الألفاظ.

وحقاً إنَّ الإسلام يأمر بالشورى. ولكن أيُّ شورى يأمر بها الإسلام؟ إنَّ الله سبحانه يقول لرسول صلى الله عليه وسلم:ـ

{وشاورهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكل على الله} . ومعنى الآية واضحٌ صريح ، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل. فهو أمرٌ للرسو صلى الله عليه وسلم ، ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده: أن يستعرض آراء أصحابه الذين يراهم موضع الرأي ، الذي هم أولو الأحلام والنهى، في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراء وموضع الاجتهاد في التطبيق. ثم يختار من بينها ما يراه حقاً وصواباً أو مصلحة، فيعزم على إنفاذه، غير متقيد برأي فريقٍ معين، ولا برأي عددٍ محدد، لا برأي أكثرية، ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما ارتآه.

ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل: أن الذين أمر الرسول بمشاورتهم ـ ويأتسى به فيه من يلي الأمر من بعده ـ هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقون لله، المقيمُو الصلاة، المؤدُو الزكاة، المجاهدون في سبيل الله، الذين قال فيهم رسول ا صلى الله عليه وسلم: (لِيلني منكم أولو الأحلام والنهى) . ليسوا هم الملحدين، ولا المحاربين لدين الله، ولا الفجار الذين لا يتورعون عن منكر، ولا الذين يزعمون أنَّ لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله، وتهدمُ شريعة الإسلام. هؤلاء وأُولئك ـ من بين كافرٍ وفاسقٍ ـ موضعهم الصحيح تحت السيف أو السوط، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء.

والآية الأخرى، آية سورة الشورى ـ كمثل هذه الآية وضوحاً وبياناً وصراحةً: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} اهـ.

الشبهة الرابعة:-مشاركة صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول

هذا واحتج بعض سُفائهم بمشاركة صلى الله عليه وسلم في حِلف الفضول قبل البعثة، لتجويز المشاركة في البرلمانات التشريعية الشركية .

فنقول وبالله التوفيق:ـ

إنَّ المحتج بهذه الشبهة إما أنه لا يعرف ما حلفُ الفضول فيهرفُ بما لا يعرف ويتكلمُ فيما لا يعلم.. أو أنه يعرف حقيقته فيخلط الحق بالباطل على الخلق ليلبس النور بالظلام والشرك بالإسلام.. وذلك لأن حلف الفضول كما ذكر ابن اسحاق في السيرة وابن كثير (4) والقرطبي في تفسيره (5) وغيرهم.. تكوَّن لما"اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدْعان ـ لشرفه ونسبه ـ فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى تُرَدّ عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحِلف حلفَ الفضول. أي حِلف الفضائل"اهـ.

ويقول ابن كثير: (كان حلفُ الفضولِ أكرمَ حِلفٍ سمع به وأشرفه في العرب، وكان أولُ من تكلم به ودعا إليه الزبير ابن عبد المطلب، وكان سببه أنَّ رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عن حقه، فاستعدى عليه الزبِيدي أقواماً من الأحلاف فأبوا أن يُعينوا على العاص بن وائل وانتهروا الزبِيدي، فلما رأى الزبيديُّ الشرَّ أوفَى على جبل أبي قُبيْس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة منادياً بأعلى صوته:ـ

(1) 96) سورة الشورى، الآية 38 .

(2) 97) عمدة التفسير: ج 3 هامش ص 64-65 .

(3) 98) سورة آل عمران، الآية 159 .

(4) 99) البداية والنهاية: ج 2 ص 291 .

(5) 100) الجامع لأحكام القرآن: [6/33] ، [1/169] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت