فهرس الكتاب
يا آل فهرٍ لمظلومٍ بضاعته ببطنِ مكة نائي الدار والنفرِ
ومحرمٍ أشعتٍ لم يقضِ عُمرته يا للرجال وبين الحِجْر والحَجرِ
إنَّ الحرام لمن ماتت كرامته ولا حرامٌ لثوب الفاجر الغدرِ
فقام لذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مُترك؟ فاجتمعت هاشم وزُهرة وتيم بن مُرة في دار عبد الله بن جُدعان، فصنع لهم طعاماً وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدةً مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بلَّ بحرٌ صوفة وما رسيَ ثبير وحراء (1) مكانهما وعلى التأسي في المعاشي، فسمَّت قريش ذلك الحلف حِلْف الفضول، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضلٍ من الأمر، ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبِيدي فدفعوها إليه. وذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث: أنَّ رجلاً من خثعم قدم مكة حاجاً ـ أو معتمراً ـ ومعه ابنة له يقال لها القتول من أوضأ نساء العالمين ، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه، فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل؟ فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة ونادى: يا لحلف الفضول: فإذا هم يعنقون إليه من كلِّ جانب؛ وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما لك؟ (2) فقال: إنَّ نبيهاً ظلمني في بنتي وانتزعها مني قسراً، فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم فقالوا له: أخرج الجارية ويحك! فقد علمت ما نحن وما تعاقدنا عليه، فقال: أفعل. ولكن متعوني بها الليلة، فقالوا: لا ولا شَخْبُ لقحة (3) فأخرجها إليهم..
وقال الزبير في حِلْفِ الفضول:ـ
إنَّ الفضول تعاقدوا وتحالفوا ألا يُقيم ببطن مكة ظالمُ
أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا… فالجارُ والمُعْتَرُّ فيهمُ سالمُ (4)
ففي هذا الحِلف وحول هذه الأهداف يتنزل ما يحتج به هؤلاء القوم، مما رواه البيهقي والحميدي أنَّ رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: (شهدتُ في دار عبد الله بن جُدعان حِلفاً ما أُحب أن لي به حمر النَّعم(5) ولو أُدعَى به في الإسلام لأجبت).
ولذا زاد الحميدي (تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعِد ظالمٌ مظلوماً) .
فنسأل القوم ها هنا فتقول:ـ
( ما وجه الدلالة يا أهل الفقه والاستدلال في هذا الحلف وما حواه من فضائل على جواز دخول مجلسٍ يُشَرَّعُ فيه مع الله وِفقاً لدستور إبليس، ويستفتح أهل المجلس مجلسهم هذا بالقسم على احترام ياسق الكفر وقوانينه والولاء لعبيده وطواغيته المحاربين لدين الله وأوليائه، المتولين لأعداء الله وكُفرياتهم..؟؟
( هل كان في حلف الفضول كفرٌ وشركٌ وتشريعٌ مع الله واحترامٌ لدين غير دين الله، حتى يصح الاستدلال به..؟؟.
إنْ قلتم نعم.. فأنتم تزعمون إذاً أنَّ رسول ا صلى الله عليه وسلم قد شارك بالكفر والتشريع واتبع ديناً غير دين الله ، وأنه لو دُعي في الإسلام لمثل ذلك لأجاب!! ومن زعم هذا فقد أشهد الثقلين على كُفره وردتِه وزندقتِه..
وإنْ قلتم: لا، لم يكن فيه كفرٌ ولا تشريعٌ بل ولا منكرٌ من المنكرات... وكلُّ ما كان فيه نصرة المظلوم وإغاثةُ الملهوف ونحوه من الفضائل..
فكيف إذاً تستحلون وتستجيزون مقايسته بمجالس الكُفر والفسوق والعصيان..؟؟.
( ثم نحن نسألهم سؤالاً واضحاً ونُريد منهم شهادةً صريحةً على رسول ا صلى الله عليه وسلم في جواب هذا السؤال {ستُكْتبُ شهادتهُم ويُسئَلون} (6) .
لو كان المشارك في حِلْفِ الفضول هذا مهما كانت صفته ـ أعني الحلف ـ؛ لا يُشارك فيه إلا إذا أقسم بين يدي دخوله للحلف على احترام اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى والولاء لدين قريش الكفري ولأوثانها وجاهليتها.. ثُمَّ على نُصرة المظلوم وإغاثة المكروب... ونحو ذلك..
أقول: لو كان الحالُ كذلك.. لشارك به صلى الله عليه وسلم أو أجاب إليه لو دُعي في الإسلام لمثله..؟؟.
أجيبونا يا أصحاب المصالح والاستحسانات..!! ويا أهل الحفلات والمهرجانات..!!
فإن قالوا: نعم سيجيب إليه وسيشارك فيه.. وكذلك كان..فقد برئت منهم الأمة وأشهدوا الخلق على كُفرهم..
وإن قالوا: كلا وحاشاه من ذلك...
قلنا: فخلوا إذاً عنكم هذه السفسطات والشقشقات وتعلموا كيف وبماذا يكون الاستدلال..
الشبهة الخامسة: مصلحة الدعوة
(1) 101) أسماء جبال بمكة .
(2) 102) تنبيه: لو أننا استدللنا بهذا على جواز تنظيم جماعة أو مجموعة مسلحة لنصرة المظلوم وانكار المنكر باليد وإن عُدمت الدولة الإسلامية ولم يوجد الإمام، بدليل أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثنى على هذا الحلف ومدحه مع أنه كان قائماً في زمن دولة الكفر وليس ثَمَّ إمام.. أقول: لو أننا احتججنا بدليلهم هذا على هذه المسألة لبدّعونا ولشنوا علينا الغارات ولشنعوا فينا المقال.. لكن الاستدلال به على جواز القسم على احترام الشرك والمشاركة في التشريع وِفقاً لدستور إبليس وغير ذلك من ضلالاتهم وشركياتهم وانحرافاتهم فذلك أمرٌ تُسوِّغه عقولهم النخرة.. فبُعداً فبعداً.
(3) 103) ولا شخب لقحة: أي ولا مقدار وقت حلب ناقة .
(4) 104) من كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير .
(5) 105) من أطيب أنواع الإبل عند العرب .