فهرس الكتاب

الصفحة 21496 من 27364

وهذا عين الكفر، لأن الله تعالى فعال لما يريد ويحكم بما يريد، ولا مُكره له على شيء لا يريده، وإرادته تعالى غير مقرونة بأي إرادة أو قدرة، تعالى عما يصفون .

والديمقراطية ظهرت في أوربة كنظام حاكم - إثر الثورة الفرنسية - نتيجة للظلم الكنسي، والإرهاب الفكري والجسدي الذي مارسته الكنيسة - بمقتضى اختصاصها بالحق الإلهي المقدس المزعوم - بحق الشعب، وبخاصة منهم العلماء والمفكرين الذين خالفوا الكنيسة في كثير من المسائل العلمية، حيث كانت لهم الاجتهادات والتفسيرات لبعض الظواهر العلمية التي تعارض وتغاير ما كانت عليه الكنيسة، وهذا أمر لم تكن الكنيسة - يومذاك - أن تتحمله أو تُطيقه، فحملهم ذلك على تصفية وتعذيب كل مخالف للكنيسة وتعاليمها؛ ومحاكم التفتيش وما كان يجري فيها من مجازر وقتل وتعذيب وحشي، وأحكام صورية ترعها الكنيسة وتقوم عليها، ليست أخبارها عن المسامع ببعيدة ..

…في هذه الأجواء ظهرت الديمقراطية الحديثة، فجاءت ناقمة على تعاليم الكنيسة وكل شيء اسمه دين، ووقفت الموقف المغالي والمغاير لتعاليم الكنيسة، وما كانت تفرضه الكنيسة على العباد باسم الله، حيث كانت تزعم لنفسها الحق في التكلم نيابة عن الله، وهذا ليس لأحدٍ سواها ..!

…فعملت الديمقراطية على نزع سلطة السيادة عن باباوات الكنيسة لتجعلها حقاً خالصاً لباباوات المجالس النيابية بزعم تقرير مبدأ سيادة الأمة والشعب، ففرت من سيادة مخلوق إلى سيادة مخلوق آخر، ومن ألوهية مخلوق إلى ألوهية مخلوق آخر؛ لكن في المرة الثانية جاءت ألوهية هذا المخلوق - بعيداً عن الكنيسة والدين - باسم الشعب والأمة كما زعموا ..!

فكانت الديمقراطية بذلك أول من تبنى عملياً مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة، ورفعت الشعار المعروف: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله (1) .

وقالت: لله فقط الصلوات في زوايا المعابد والصوامع، وما دون ذلك فيم يتعلق بجميع مرافق الحياة السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والتشريعية وغيرها من مجالات الحياة فهي ليست من خصوصيات الله، وإنما هي من خصوصيات قيصر المتمثل في صورة الشعب ومَن ينوب عن الشعب، فما لله لله ، وما للشعب للشعب، وما يصل لله يصل للشعب؛ حيث للشعب كامل الصلاحيات والحق في التدخل في شؤون المعابد والمساجد وسياستها وغير ذلك مما جعلوه لله بزعمهم، بينما ما يصل للشعب فهو لا يصل إلى الله ولا يحق له البت فيه .. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً !!

صدق الله العظيم: { فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} الأنعام:136 .

ــــــــــــــــــ

(1) رغم أن هذه المقولة كفر صريح، تقوم عليها دعائم النظام العلماني، فقد وجد من مشايخ السوء المقربين للطواغيت، من يحسنها ويثني عليها خيراً ويعتبرها مقولة حكيمة كما في أحد كتبه التي يعرِّف فيه السلفية كما يعتقدها حيث يقول: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، كلمة حكيمة تصلح لزماننا ..ذلكم أن الانفصام بين الدين وبين الدولة صار أمراً مقضياً لا مرد له، ولا طاعن عليه، ولا محيد عنه ..!! ا-هـ .

كذلك فإن الديمقراطية - كنظام ودين - قد أعطت تفسيراً خاصاً بها عن الوجود وواجب الوجود والحياة، وعن علاقة الإنسان بخالقه وغير ذلك .

فمن قال:"لا إله والحياة مادة". قالت له الديمقراطية: لا ضير عليك، لك أن تعتقد في الله ما تشاء ما دمت ديمقراطياً، وهذه اسمها حرية الاعتقاد ..!

ومن اعتقد بخالق وإله للوجود، قالت له الديمقراطية: لك ذلك، لكن ليس لك أن تُكره الآخرين على اعتقادك، أو تنكر عليهم - بالقوة - اعتقادهم لو خالفوك في المعتقد، فكل منكم له الحرية في أن يعتقد في الله ما يشاء ..!

ثم لا يجوز لك إن كنت تؤمن بالله أن تجعل ما هو من صلاحيات الشعب لله .. فما لله لله وما للشعب للشعب، والدين لله والوطن للجميع ..!

ومن أراد كذلك أن يقول ما يشاء، ولو كان قوله فيه سباً لله ولرسوله، فله ذلك وليس لأحدٍ أن ينكر عليه، وهذا اسمه _ كما زعموا - حرية التعبير (1) !

ـــــــــــــــــــ

(1) مثال ذلك عندما كتب الزنديق المرتد سلمان رشدي روايته المعروفة بآيات شيطانية التي تطاول فيها على الذات الإلهية وكتبه ورسله، ونال من جناب سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم =

ومن أراد أن يزني أو يشرب الخمر أو يفعل ما يشاء - ما لم يحظره القانون الوضعي - فله ذلك، وليس لأحدٍ أن ينكر عليه، وهذا اسمه عندهم الحرية الشخصية (1) !

ــــــــــــــــــــ

= وعندما أنكر عليه المسلمون كفره وزندقته هذه، قال الديمقراطيون في الغرب: حرية التعبير - أياً كان نوع هذا التعبير - من الديمقراطية، والنيل من سلمان رشدي هو نيل من الديمقراطية ذاتها، والأنظمة التي تتبنى الديمقراطية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت