وفي حين يهبّ كثير من العرب والمسلمين إذا ما تحقق النيل الصريح المباشر من دينهم وعقيدتهم؛ نجد كثيرًا منهم غافلين عما يراد بهم في الخفاء، إنهم لا يهبُّون ـ غالبًا ـ إلا إذا نيل من شخص النبي محمد .. باسمه الصريح، بينما لا تثيرهم مئات المطاعن والشتائم الأخرى على هذا النبي الكريم بالوسائل الماكرة غير المباشرة؛ عبر الوسائل الإعلامية الكثيرة في الصحف والأفلام والمجلات والقنوات. وهم يثورون كذلك إذا نيل من القرآن الكريم.. لكن ذلك المحفوظ بين دفتي المصحف ذي اللون الأخضر البراق المكتوب بخط النسخ الجميل، ولا يحركون ساكنًا أمام عشرات التصريحات اليومية بعدم صلاحية هذا القرآن للتطبيق في هذا العصر، أو التنقص من أحكامه وتشريعاته، أو مقارنته بالقوانين الوضعية التي يتحاكمون هم إليها، ويحتجون بها في حياتهم اليومية بلا حرج. كما أن منظرًا يبثه الإعلام لطفل مسلم بريء يُقتل بين أحضان والده ظلمًا كفيل بتأجيج مشاعر الملايين وتحريكهم في الشوارع هائجين.. غاضبين طوال النهار، لكنهم سريعًا ما يُصبحون في اليوم التالي على لهوهم ومرحهم وغفلتهم.
وفي حين تحصد الطائرات والقذائف عشرات الألوف من المسلمين في بقاع شتى من العالم، ويُفتَك بالألوف من أطفال المسلمين ونسائهم وشيوخهم بغير ذنب، ويموت من جراء الحصار الطويل مئات الألوف منهم؛ يتبادل البعض في الشارع العربي جدوى المقاطعة لمنتوجات ذلك العدو الظالم وهم يتابعون فيلمًا من أفلامه، ويتجرعون مشروبًا من مشروباته، ويلبسون كساء من منتوجاته!! بل حتى أحداث الرعب في دول عربية وإسلامية مجاورة لا تكاد تحرك أحدًا من المسلمين في ذلك الشارع!!
فأين من يستشعر مصاب إخواننا المسلمين في فلسطين والجزائر والسودان والصومال؟ وماذا نعلم عما يحدث الآن في الجمهوريات المسلمة في آسيا؛ بدءًا بالشيشان ومرورًا بداغستان، وكشمير، وتركستان، وأفغانستان؟ بل أين نحن عما يخطط له الأعداء للمستقبل القريب للعديد من الدول الإسلامية الأخرى مثل باكستان ومصر واليمن وسوريا ولبنان والسعودية وغيرها، وسعيهم لإيقاعها في مستنقع الفوضى والاضطراب والفرقة؟ وأكاد أجزم أن كثيرًا من المسلمين اليوم قد ضبطوا انفعالاتهم ومشاعرهم وردود أفعالهم تجاه عدوٍّ من الأعداء بعينه، في قضية من القضايا بعينها، وأن كثيرًا منهم لا يكادون يفطنون لما يجري من أحداث مصيرية تتعلق بأمتهم؛ فضلًا عن إدراك حقيقة ما يراد بهم في المستقبل القريب، فضلًا عن معرفة الواجب تجاه فيلم كرتوني مدبلج يطعن فيهم وفي دينهم ورسولهم وتاريخهم.
ولقد كان الرهان قائمًا ـ ولا يزال ـ في قاعات الاجتماعات المغلقة لصناع القرار في الغرب على جدوى التفكير في ردود فعل الشارع العربي الذي يحوي 380 مليون مسلم، وتهميشه من أي دور فاعل محتمل قبل اتخاذ القرارات الجائرة ضد العرب والمسلمين. ومع علمنا بأنه مجرد شارع لفئة بسيطة من المستمعين ـ كما يقول بعض المحللين الغربيين ـ إلا أن له كذلك مكانته التي يحسب لها المستعمر الحديث ألف حساب، فهو قوة فاعلة يمكن أن تذكي نار المخاوف الغربية، وأن تشعل نقاشات الصهيونية الأمريكية في الكونجرس لو استثمر الاستثمار الصحيح في معادلة المواجهة الصامتة مع الغرب في هذه المرحلة.
إن دراسة واعية، ونصيحة صادقة تُقدم للأمة، ومقاطعة صارمة يجمع عليها هذا العدد الضخم كله في ذلك الشارع العربي الواسع، ويؤازرهم فيها سائر إخوانهم المسلمين في العالم؛ لأي منتج تثبت صلته بمؤسسة أو منظمة تستخف بحقوق العرب والمسلمين، أو تكيد لهم بأي نوع من أنواع الكيد، أو تدعم اقتصاد عدوهم الغاصب، أو تستخف بقضيتهم الكبرى ـ مؤذن بإغلاق الكثير من المحلات المشبوهة في ذلك الشارع الكبير، والتمهيد لظهور محلات أخرى أنقى منها وأكثر ولاء، أو على الأقل أكثر حيادًا. وهو ما يعترف به صنَّاع القرار الأمريكي أنفسهم عند الحديث عن سلاح المقاطعة الفتاك الذي يلوّح به المسلمون بين الحين والآخر.
غير أن سلاح المقاطعة ذاك ليس محصورًا في زجاجة مشروب غازي فقط، أو في علبة حلوى، أو منتج للأطفال، أو مطهر للأواني المنزلية فحسب، بل يدخل فيه الجانب الإعلامي بمقاطعة تلك الشركات المعادية التي تنتج تلك الأفلام المشبوهة التي تحدثت عنها. كما يتناول ـ على السواء ـ الصناعات الثقيلة والخفيفة والملبوسات والأدوية، ونحوها. إنه شعور داخلي لدى الفرد، وشعور عام يشكل حركة المجتمع يمكن توظيفه بعناية وفق قاعدة الولاء والبراء الشرعية التي يتقرب فيها العبد المسلم من ربه طمعًا في الأجر؛ من خلال امتناعه عن إنفاق أي جزء من ماله ـ مهما كان قليلًا ـ في أي وجه من وجوه الإضرار بالمسلمين. وهو التفاعل الذي يبرهن فيه صاحبه على صدق انتمائه للمسلمين في قضاياهم المصيرية الكبرى مع عدوهم أينما كان.
أعدت تلك البطاقات الملونة إلى أصحابها الصغار في آخر المطاف، ثم سألت أحدهم مداعبًا: أي نصيحة من هذه النصائح المكتوبة على البطاقات أعجبتك؟ فكَّر قليلًا وهو يقلبها بيده الصغيرة ثم قال: «الصديق وقت الضيق» !!