فهرس الكتاب

الصفحة 21728 من 27364

18-إن الإشكالية السابقة أفقدت كثيراً من الإسلاميين تحسس المفهوم الشرعي للولاء والبراء، بما أثر على موقفهم من الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله.

وقد حاول كثير من الإسلاميين المجلسيين بعد أن أصبحوا نواباً أن يحافظوا على سمت مميز خاص بهم، محاولين بكل جهودهم أن يتمنّعوا، ويستعصوا على المناورات الحكومية التي تريد توظيفهم في تنفيذ مخططاتها. ولكن للأسف لم يصمد كثير منهم في قلعة ذلك التمنّع، فاستطاعت الحكومات بأساليبها الشيطانية أن تطوّعهم، عبر وسائل الإغراء والتحذير، لصالح مآربها. وشيئاً فشيئاً فَقَدَ عدد من النواب الإسلاميين تميزهم وصاروا جزءاً لا يتجزأ من توجهات الحكومة التي لا تحكم بما أنزل الله. وقد سعى عددٌ من الحكومات إلى اختيار بعض وزرائها من الإسلاميين المنتخبين نيابياً؛ وما إن دخلوا الحكومة حتى أصبحوا بوقاً من أبواقها، خلافاً لحالهم قبل دخولها، والأشد إيلاماً من ذلك أنهم أعطوا أصواتهم النيابية ضد بعض المشاريع الإسلامية التي عرضت على تلك المجالس، محادّين في موقفهم ذلك لله ورسوله وللمؤمنين، وموافقين للطاغوت والشيطان والهوى؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إن إشكالية النتيجة في هذه الحالة هي فَقْدُ الإسلاميين النيابيين لمعالم الولاء والبراء، وهم مستبشرون!!

19-لا شك أن الإشكالية السابقة لم تحظ بمباركة وتأييد كثير من الإسلاميين، وقد أدى ذلك إلى انشقاق بين الإسلاميين أنفسهم، بين الموافقين وبين الرافضين.

وكذلك لم يسلم معسكر الموافقين من الانشقاق؛ ذلك أن الإسلاميين الموافقين على المشاركة في المصيبة الديمقراطية ينتمون إلى أحزاب إسلامية مختلفة ترفع شعارات شتى. وهكذا راح الإسلاميون يشهّرون ببعضهم على الملأ خدمة لمصالحهم الذاتية أو مصالح الأحزاب والجماعات التي ينتمون إليها، غير عابئين بما يعود من ذلك من خسائر فادحة على سير العمل الإسلامي وانبثاق دعوته المباركة.

وانشقاق آخر دوماً يأخذ مجراه بين الإسلاميين الذين تنجح الحكومة في ضمهم إلى صفوفها كوزراء؛ وبين الإسلاميين الذين وقف حظهم العاثر (حسب زعمهم) عند حدود وصولهم كراسي المجلس ولم يتجاوزوه إلى كراسي الوزراة!!

وانشقاق آخر يخط طريقه بعنف وشدة يحدث بين القبائل والعشائر والعوائل التي ينتمي إليها أولئك الإسلاميون النيابيون المختلفون، تعصباً لنوابهم، لا يغذيه إلا الانتماء مجرد الانتماء لتلك القبائل والعشائر والعوائل.

وهكذا تتعدد الانشقاقات وتتنوع الاختلافات، التي لا تعود على العمل الإسلامي إلا بالضعف والتشتت والانكسار.

تلك هي إشكالية هذه النتيجة الخطيرة.

20-ومن الغرائب حقاً، أن أولئك الإسلاميين النيابيين المختلفين فيما بينهم، لم يقفوا من خصومهم العلمانيين كموقفهم من بعضهم البعض.

ففي الوقت الذي راح أولئك الإسلاميون النيابيون يقطعون جسور الوصال فيما بينهم، فإنهم راحوا في ذات الوقت يبنون تلك الجسور مع العلمانيين بشتى راياتهم ومختلف شعاراتهم.

إنها مفارقة عجيبة حقاً.

ولقد شهدت الساحات الانتخابية قيام تحالفات مثيرة للاستغراب بين جماعات إسلامية تنادي بالإسلام وأحزاب أرضية تحارب الإسلام جهاراً نهاراً؛ بل أكثر من ذلك قد حصل؛ حيث وافقت بعض الأحزاب الإسلامية أن تنزل إلى الساحات الانتخابية مستظلة بمظلات الأحزاب العلمانية، كمظلة حزب الوفد المصري العلماني. ولتسويغ ذلك فإن بعض الشخصيات الإسلامية راحت تنفي بكل ما أوتيت من قوة البيان صبغة العلمانية عن تلك الأحزاب (7) .

إن إشكالية النتيجة هنا تتقرر في أن الإسلاميين النيابيين أقاموا جسور الود والوصال مع العلمانيين خدمة للديمقراطية، ونحروا علاقات بعضهم ببعض على مذبحها.

21-ومن ذلك يتبين لنا ما يمكن أن تجنيه التوجهات الديمقراطية من التمكين والتوطد، مشيدة ذلك على قاعدة متينة، من تأييد الإسلاميين النيابيين؛ ذلك أن توطيد دعائم الديمقراطية له روافد شتى، منها ما ذكرته في الإشكالية السابقة، ومنها ما هو نتاج التزاوج الفكري بين الطرح الإسلامي والطرح العلماني. إن هذا التزاوج ـ وهو ما تدعمه جميع المؤسسات النصرانية واليهودية ـ سيقود التيار الإسلامي النيابي في نهاية المطاف إلى التبني الكامل لحماية ما يطرحه العلمانيون؛ لأن جميع ذلك لا حرج فيه ولا تثريب عليه، طالماً تم تحت راية الديمقراطية التي وافق الجميع من الإسلاميين وعلمانيين أن يستظلوا بها.

بل إن العلمانيين قد أصبح لهم من المسوّغات والحجج القوية ما يردون بها على الإسلاميين النيابيين إذا اعترضوا أو تأففوا من بعض نتائج التصويت التي تتم تحت مظلة المجلس النيابي في غير صالح الإسلام، أو إذا استاؤوا من بعض ما يكتبه العلمانيون في الصحف والمجلات ساخرين من الإسلام ودعاته..

إنهم سيقولون لهم ببساطة: هذه هي الديمقراطية... إنها تعني حرية الرأي وهذا رأينا، ولا حق لكم في الاحتجاج عليه طالما أنتم رضيتم بالديمقراطية، وطالما أننا لم نخرج عن حدودها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت