فهرس الكتاب
فمن حيث الآليات والسبل والنظم والمؤسسات والخبرات"التي تحقق المقاصد والغايات من كل الديمقراطية والشورى، فانها تجارب وخبرات إنسانية ليس فيها"ثوابت مقدسة"... وهي قد عرفت التطور في التجارب الديمقراطية، ومن ثم فإن تطورها وارد في تجارب الشورى الاسلامية، وفق الزمان والمكان والمصالح والملابسات ... والخبرات التي حققتها تجارب الديمقراطية في تطور الحضارة الغربية، والتي افرزت النظام الدستوري، والتمثيل النيابي عبر الانتخابات، هي خبرات غنية وثروة انسانية، لا نعدو الحقيقة إذا قلنا انها تعتبر خلافة لما عرفته حضارتنا الاسلامية، مبكرا، من اشكال اولية وضنينة في"البيعة"و"المؤسسات"..."
أما الجزئية التي تفترق فيها الشورى الإسلامية عن الديمقراطية الغربية، فهي خاصة"بمصدر السيادة في التشريع الابتدائي"...
فالديمقراطية تجعل"السيادة"في التشريع ابتداء للشعب والامة، إما صراحة، وإما في صورة ما أسماه بعض مفكريها بـ"القانون الطبيعي"الذي يمثل بنظرهم- أصول الفطرة الانسانية ... ومن ثم، فإن"السيادة"، وكذلك"السلطة"في الديمقراطية، هما للإنسان ... للشعب والأمة ...
أما في الشورى الإسلامية، فإن"السيادة"في التشريع ابتداء، هي لله، سبحانه وتعالى، تجسدت في"الشريعة"التي هي"وضع إلهي"وليست إفرازاً بشرياً ولا طبيعياً ... وما للإنسان في"التشريع"إلا سلطة البناء على هذه الشريعة الإلهية، والتفصيل لمجملها، والاستنباط من نصوصها وقواعدها واصولها ومبادئها، والتفريع لكلياتها والتقنين لنظرياتها ... وكذلك، لهذا الانسان سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سماوي، شريطة ان تظل"السلطة البشرية"محكومة بإطار معايير الحلال والحرام الشرعي، أي محكومة بإطار فلسفة الاسلام في التشريع ...
ولذلك كان الله سبحانه وتعالى في التصور الإسلامي، هو"الشارع"لا الانسان... وكان الانسان هو"الفقيه"، لا الله ... فأصول الشريعة ومبادؤها وثوابتها وفلسفتها إلهية، يتمثل فيها"حكم الله وحاكميته"...
أما البناء عليها، تفصيلاً وتنمية وتفريعا وتطويراً واجتهاداً للمستجدات ولمناطق"العفو"التي هي المساحة الأوسع في المتغيرات الدنيوية، فهو فقه وتقنين، تتمثل فيهما سلطات الإنسان، المحكومة بحاكمية الله ... وفي هذا الجانب يتمثل الفارق الجوهري والاختلاف الاساسي بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية الغربية ...
ولهذا التمايز والاختلاف -بين الشورى والديمقراطية- صلة وثيقة بنظرة كل من الحضارتين -الاسلامية-والغربية- للكون، ولحدود نطاق عمل وتدبير الذات الإلهية ... وحدود تدبير الإنسان، ولمكانته في الكون ... وللعلاقة بين الإنسان وبين الله ...
ففي النظرة اليونانية القديمة، وخاصة عند"ارسطو" { 384-322 ق م } وهي التي مثلت تراث النهضة الغربية الحديثة - نجد أن الله قد خلق العالم، وحركه، ثم تركه يعمل وفق طبائعه وقوانينه والأسباب الذاتية المودعة فيه، دونما تدخل أو رعاية او تدبير إلهي لحركة هذا العالم ... فالعالم هنا، وفي هذه الفلسفة، مستقل بذاته ... بعد الخلق عن تدبير الله، وحاكمية شرائعه السماوية ...
وهذه - النظرة لحدود التدبير الإلهي، وجدناها في النهضة العلمانية الغربية الحديثة تعتمد على المبدأ الانجيلي الذي يجعل مالقيصر لقيصر ومالله لله، فيفصل بين إطار التدبير الإلهي الذي وقف عند"الخلق"وعند خلاص الروح ومملكة السماء - وبين إطار التدبير الإنساني - الذي أعطاه السيادة في تدبير العمران الإنساني، والملكوت الدنيوي، دونما قيود من الحاكمية الإلهية على هذه السيادة والسلطة البشرية فكلما أن العالم في هذه الفلسفة الغربية للديمقراطية - مستقل بذاته عن تدبير خالقه تديره الأسباب والقوى الذاتية المودعة فيه ... فكذلك الانسان في هذه الفلسفة مستقل بذاته، يدير الدولة والمجتمع بالعقل والتجربة، دونما حاكمية إلهية ولا رعاية شرعية سماوية ... فهو"سيد الكون"، الحر والمختار بإطلاق ... ومن هنا كانت له"السيادة"في التشريع، مع"السلطة"في التنفيذ، بتعميم وإطلاق ... بل إن له هذا الاستقلال والحرية المطلقة في العلمانية الشاملة، منظومة للقيم والأخلاق .
هذا عن - البعد الفلسفي للرؤية الكونية ... ونطاق عمل الذات الإلهية ... ومكانة الإنسان في الكون ... وحريته وسيادته، في الاساس الفلسفي للديمقراطية الغربية ... والتي كانت، لذلك، علمانية - في النشأة والتطبيقات ...