فهرس الكتاب

الصفحة 21747 من 27364

أما في - النظرة الإسلامية، فان الله سبحانه وتعالى، ليس مجرد"خالق"وفقط ... وإنما هو"خالق ... ومدبر"وكما أن خلقه دائم ابدا، فان تدبيره دائم ابدا، وله"حاكمية"في التكوين وفي التشريع معا، ورعاية لكل عوام المخلوقات. ونحن نقرأ، في القرآن الكريم عن نطاق عمل الذات الإلهية":"الا له الخلق والأمر"... قال فمن ربكما يا موسى .. قال ربنا الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى"وإذا كان الله سبحانه وتعالى، قد استخلف الإنسان لعمران هذه الأرض"واذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"... فإن هذا الاستخلاف قد جعل الانسان -في التصور الإسلامي- بالمرتبة الوسط ... فهو نائب ... ووكيل وحر .. وقادر ... ومستطيع ... ومبدع، لكن في حدود الشريعة الإلهية، التي هي بنود عقد وعهد الاستخلاف ... نعم، إنه ليس الفاني في الذات الإلهية ... لكنه، ايضاً، ليس"سيد الكون"وإنما خليفة لسيد الكون ... وبعبارة الإمام محمد عبده { 1265-1323 هـ 1849-1905م } فإن هذا الإنسان"عبدالله وحده، وسيد لكل شئ بعده".

إنه - الانسان خلقه الله ... واستخلافه عن الله لا يخرجه من مظلة التدبير الإلهي، بل يجب أن يظل دائماً وابداً في إطار هذه الرعاية وهذا التدبير، حتى أن عبوديته لله هي قمة حريته، لأنها هي التي تحرره من العبودية لكل الطواغيت ..."قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له"وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"ولذلك، كانت شهادة أن لا إله الا الله، جامعة لحرية الانسان وتحرره، ولعبوديته لله وحده، حتى لكأنها وجهان لعملة واحدة !.."

-تلك هي على وجه الحصر والتحديد، الجزئية الفلسفية التي تتمايز فيها الشورى الإسلامية عن الديمقراطية الغربية ...

أما ما - عدا ذلك، من تأسيس الحكم والسلطة على رضا الأمة وراي الجمهور واتجاه الرأي العام ... وجعل السلطة في اختيار الحكام، وفي مراقبتهم ومحاسبتهم، وفي عزلهم، هي للأمة ... وكذلك لك اختيار الآليات والنظم النيابية لتكوين المؤسسات الممثلة لسلطات التقنين والتنفيذ والرقابة والقضاء ... فإنها على وجه الإجمال مساحة اتفاق بين الديمقراطية الغربية وبين الشورى الإسلامية ..

وكذلك - الحال مع مبدأ ونظام الفصل بين السلطات -سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء ... وهو المبدأ الذي تعارفت عليه الديمقراطية الغربية ... فإنه مما تقبله وتحتاجه الشورى الإسلامية ... بل ربما ذهبت فيه تجربة الحضارة الاسلامية أبعد وأعمق وأفضل مما ذهبت التجارب الديمقراطية الغربية، ذلك أن تمييز سلطة الاجتهاد الفقهي في النظام الشوري الإسلامي عن السلطات الرقابية والتنفيذية والقضائية، يجعل السلطات -في النظام الإسلامي ... اربعاً بدلاً من ثلاث ... كما يجعل سلطة التشريع فوق الدولة، بسبب إلهية الشريعة، الأمر الذي يحرر القانون من سلطان الاستبداد البشري والأهواء البشرية ... وفوق ذلك، يحقق هذا النظام الإسلامي الفصل الحقيقي بين السلطات، ذلك أن التجربة الديمقراطية الغربية، التي آلت فيها سلطة التشريع للبرلمان، قد جعلت -من الناحية العملية- سلطة التشريع وسلطة التنفيذ متماهيتان في الهيئة البرلمانية لحزب الأغلبية الحاكم، الأمر الذي جعل الفصل الحقيقي بين سلطتي التشريع والتنفيذ باهتاً الى حد كبير ... أما استقلال سلطة خاصة بالاجتهاد والتقنين، مع التزامها بحاكمية الشريعة الإلهية، فهو الأقرب الى تحقيق مبدأ فصل السلطات، والأكثر تحقيقا لسيادة القانون على باقي السلطات ...

ولقد - أدرك هذه الحقيقة - حقيقة هذا التمايز بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية الغربية ... في عصور القانون بكل منهما -العلماء الغربيون الذين خبروا وتخصصوا في الشريعة الإسلامية وفي القانون الروماني، وقارنوا بين الفقه الاسلامي وبين المدونات القانونية في الحضارة الغربية ... أدركوا هذه الحقيقه،ولفتوا إليها الأنظار وسلطوا عليها الأضواء ...

لقد - كتب المستشرق"دافيد دي سانتيلانا" {1845 - 1931م } عن فلسفة التشريع في القانون الوضعي الغربي"إن معنى الفقه والقانون بالنسبة إلينا وإلى الأسلاف: مجموعة من القواعد السائدة التي اقرها الشعب، إما رأساً أو عن طريق ممثلية÷ وسلطانه مستمد من الإرادة والإدراك وأخلاق البشر وعاداتهم".

-فهو قانون"دنيوي"أي"علماني"خالص الدنيوية ...

ثم - استطرد"سانتيلانا"، مقارنا هذه الفلسفة العلمانية للقانون في الديمقراطية الغربية، بالفلسفة الإسلامية في التشريع والفقه الإسلامي، فقال"إلا أن التفسير الإسلامي للقانون هو خلاف ذلك ... فالخضوع للقانون الإسلامي هو واجب اجتماعي وفرض ديني في الوقت نفسه، ومن ينتهك حرمته لا يأثم تجاه النظام الاجتماعي فقط، بل يقترف خطيئة دينية ايضاً ... فالنظام القضائي والدين، والقانون والأخلاق، هما شكلان لا ثالث لها لتلك الإرادة التي إستمد منها المجتمع الإسلامي وجوده وتعاليمه، فكل مسألة قانونية إنما هي مسألة ضمير ... والصبغة الأخلاقية تسود القانون ... فالشريعة الإسلامية شريعة دينية تغاير أفكارنا اصلاً ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت