فهرس الكتاب

الصفحة 21748 من 27364

وذات - هذه الحقيقة - حقيقة اختلاف فلسفة الشورى وقانونها الاسلامي عن الديمقراطية وقانونها الوضعي العلماني -يؤكد عليها المستشرق السويسري"مارسيل بوازار"... فيقول -عن اختلاف المصدر والمقاصد بينهما ... ( ومن المفيد أن نذكر فرقاً جوهرياً بين الشريعة الإسلامية والتشريع الأدبي الحديث ، سواء في مصدريهما المتخالفين، او في اهدافهما النهائية ... فمصدر القانون في الديمقراطية الغربية هو: ارادة الشعب، وهدفه: النظام والعدل داخل المجتمع أما الاسلام، فالقانون صادر عن الله، وبناء عليه يصير الهدف الأساسي الذي ينشده المؤمن هو البحث عن التقرب الى الله، باحترام الوحي والتقيد به ... فالسلطة يجب في الاسلام تفرض عدداً من المعايير الاخلاقية ... بينما تسمح في الطابع الغربي ان يختار الناس المعايير حسب الاحتياجات والرغبات السائدة في عصرهم ...)

هكذا - شهد العلماء الخبراء الغربيون بالتمايز -في البعد الفلسفي- بين الشورى الاسلامية وفقهها وبين الديمقراطية الغربية وقانونها ...

إن - الشورى في حقيقتها- هي اسم من"المشاورة"... والمشاورة هي استخراج الرأي فهي -في حد ذاتها- أدخل في"الآليات"... آليات استخراج الرأي ... وهي -بهذا الاعتبار- لايمكن ان تكون نقيضاً لآليات الديمقراطية ... اما التمايز بينهما فإنه يأتي في الموضوع الذي تعمل فيه هذه الآليات ... وفي نطاق عمل هذه الآليات ... فعلى حين لا تعرف الديمقراطية حدودا إلهية لسلطات عمل وإعمال آلياتها، تميز الشورى الإسلامية بين نطاقين من"الأمر"... أمر هو لله .. أي تدبيره الذي يختص به سبحانه ..."وأمر"، اي تدبير، هو في مقدور الإنسان، وفيه تكون شوراه ... وفي القرآن الكريم عن"الأمر"الأول ( الا له الخلق والأمر ) - وعن"الأمر"الثاني" ( أمره ... وتدبيره ) ... وبحكم خلافة الانسان لله، سبحانه وتعالى، فان"امره ... وتدبيره"أي حاكميته الانسانية محكومة بإطار و ( امر الله وتدبيره ) التي هي حاكمية الله وحدود شريعته الإلهية..."

ففي - المرجعية ... وفي الفلسفة ... وفي الحدود ... وفي المقاصد يرد التمايز بين الشورى الاسلامية وبين الديمقراطية الغربية ... وليس في الآليات ... والمؤسسات ... والنظم ... والخبرات ...

ان - الديمقراطية كفكر وضعي وفلسفة دنيوية لاتمد بصرها الى ما هو ابعد من صلاح دنيا الانسان، بالمقاييس الدنيوية لهذا الصلاح ... على حين نجد الشورى كفريضة الهية تربط بين صلاح الدنيا وسعادة الآخرة، فتعطي الصلاح الدنيوي بعدا دينيا، يتمثل في المعيار الديني لهذا الصلاح.

مع - ضرورة التنبيه والتأكيد على أن الاستبداد مفسد للدنيا والآخرة جميعا، ذلك ان"نظام الدين كما يقول حجة الاسلام ابو حامد الغزالي {450-505هـ 1058 - 1111م } لا يحصل الا بنظام الدنيا ... فنظام الدين، بالمعرفة والعبادة لا يتوصل اليهما الا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات، من: الكسوة والمسكن والاقوات والامن ... فلا ينتظم الدين الا بتحقيق الامن على هذه المهمات الضرورية ... فنظام الدنيا شرط النظام الدين".

فحتى - لو وقفت فوائد الديمقراطية عند صلاح الدنيا، فيجب عدم الاستهانة بذلك، وخاصة اذا كان البديل هو الاستبداد، المفسد للفرد والمجموع، وللدين والدنيا جميعا !...

-وأخيراً ... فسواء أكان أمر الشورى الإسلامية، أو أمر الديمقراطية الغربية، فان هناك فارقاً بين"المثال"وبين"الواقع"عند الممارسة والتطبيق ... وإنها لحكمة إلهية أن تظل التطبيقات لكل المبادئ والفلسفات دون"المثال"الذي يصوره الفكر لهذه المبادئ والفلسفات، وذلك حتى يظل السعي الإنساني دائباً ودائماً على طريق الإقتراب"بالواقع"من"المثال"فينفسح الأمل دائماً وأبداً أمام التسابق الإنساني على طريق التقدم والارتقاء ... وإلا فلو حقق الانسان كامل المثال لا نتهي"جدول أعمال"الحياة الإنسانية، وحل القنوط محل التطلع لتحقيق المزيد من الآمال ...

لقد - كانت تطبيقات الشورى الإسلامية، في تأريخ الأمة والحضارة الإسلامية، ادنى بكثير من جداً من"مثال"هذه الشورى في الفكر الاسلامي ... وكذلك حال التطبيقات الغربية للديمقراطية، لم تمنع هذه الحضارة الديمقراطية من انتاج العنصرية ... والحروب الدينية ... والقومية ... والاستعمارية والنظم الفاشية ... والحروب الكونية التي جعلت هذه المجتمعات الديمقراطية تتفوق على وحشية الإنسان البدائي في الإبادة والتدمير!... ولم تمنعها من أثرة الرأسمالية المتوحشة، التي جعلت وتجعل 20% من البشر _ هم سكان الشمال الديمقراطي -يتأثرون بـ 86% من خيرات العالم، تاركين 14% من ثروات العالم لـ 80% من السكان !! ... ناهيكم عن أن هذه التطبيقات الغربية للديمقراطية لم تمنع من أن تكون التجارة الأولى للدول الديمقراطية هي تجارة السلاح ... تليها تجارة المخدرات ... تليها تجارة الدعارة!! ... ولم تمنعها من ان يكون ماينفق على القطط والكلاب والخمور والترف المستفز اضعاف ما ينفق على الصحة والغذاء والتعليم!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت