فهرس الكتاب

الصفحة 21760 من 27364

فالتخلف، وهو التراجع عن خط الحضارة في العلوم والصناعات: مرتبط في نظرهم بالحكم الفردي.

وهذا الربط لا يثبت إلا بشرط: عدم وجود أمثلة على دول متقدمة، تحت حكم فردي غير ديمقراطي.

فإن وجدت بطل هذا الربط.

وعندما نجول ببصرنا: نجد دولا متقدمة، أو كانت كذلك، تقوم على فكرة الحزب الواحد، والحاكم المطلق. وأبرز مثال على ذلك الآن: الصين. وفي السابق: الاتحاد السوفيتي. وفي الماضي كانت أعظم دولتين في العالم قوة وحضارة، هما الفرس والرومان تحكمان حكما فرديا مطلقا. فبطلت هذه الفقرة من الدعوى.

والفساد؛ أي المالي، والسياسي، والأخلاقي، والثقافي.. إلخ، لا يصح ربطه بالحكم الفردي، وتبرئة الحكم الديمقراطي منه، إلا بشرط كسابقه: عدم وجود أمثلة على دول ذات حكم فردي خلت من الفساد.

فإن وجدت بطل هذا الربط.

وإذا سلمنا أنه من المتعذر، أن نجد صيغة تمثل العدالة الكاملة والخالية من الفساد في هذا العصر، حتى من بين الدول ذات الحكم الديمقراطي: فإنه من المؤكد أن التاريخ الإسلامي، ذات الصيغة الفردية في الحكم، قد ضم هذه الصيغ العادلة في فترات كثيرة:

-بدءا بالخلافة الراشدة، إلى نهاية ولاية معاوية، ثم خلافة عمر بن عبد العزيز، ثم الخليفة العباسي المعتضد.

-ثم السلطان نور الدين زنكي، إلى عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي.

-ثم السلطان محمود سبكتكين، إلى السلطان الغزنوي.

فهذه العهود وغيرها عهود نما فيها الإصلاح، وانتشر العدل. فبطلت هذه الفقرة الثانية من الدعوى.

والاستبداد، ومفهومه: احتكار السلطة، وتوريثها إلى القرابة، وما ينتج عنه من تحكم مطلق في الموارد المالية، وقمع للحريات، والمنع من المشاركة في القرار السياسي.

وهذا أيضا لا يصح ربطه بالحكم الفردي إلا بشرط كسابقه: عدم وجود أمثلة على دول ذات حكم فردي، عملت بالعدالة، في توزيع الثروات، وفتح الحريات دون إضرار بأحد، وأشركت الناس في القرار السياسي.

فإن وجدت بطل هذا الربط.

ولا نظن في أحد منازعة، في أن عهود الخلافة الراشدة مثال بارز على حكم فردي انتفى فيه الاستبداد، بكل صوره، ولو قلبت التاريخ وجدت أمثلة أخرى، متناثرة. فبطلت هذه الفقرة الأخيرة من الدعوى القائلة: إنه لا سبيل للتخلص من: التخلف، الفساد، والاستبداد إلا بالديمقراطية.

قد يكون الحكم الفردي سببا في هذه السلبيات، لكن أن يكون سببا لازما، فهذا باطل بالبراهين المتقدمة. فليس الحكم الفردي لازما لهذه السلبيات، وليست الديمقراطية حلا صالحا على الدوام لمنع هذه السلبيات؟!.

فإن كثيرا من الدول ذات الصيغة الديمقراطية تعاني تخلفا واضحا، ربما كانت أحسن حالا قبلها. فدول أمريكا الجنوبية، وأكثر دول شرق آسيا، وكل الدول العربية والإسلامية لم تتقدم خطوة معتبرة تقارع بها الغرب، مع أخذ كثير منها بالصيغة الديمقراطية منذ نصف قرن وزيادة.

وكذا الحال في مجالات: الإصلاح، والاستبداد. فالدكتاتورية عادت إلى هذه الدول، لكن بوجه ديمقراطي.

حتى الدول الغربية، مصدرة الديمقراطية: تعاني مشاكل كثيرة من وراء الديمقراطية..!!.

هي متقدمة: نعم. وكثير من الناس يعزو تقدمها إلى ديمقراطيتها، وهذا فيه نظر ؟!.

فدراسة فاحصة لهذا التطور الغربي، تبين أنه لولا انعقاد عزم ونية الرؤساء، والنافذين، وأصحاب المال على التقدم، لما حصل ذلك. وهذه النقطة وحدها تحتاج إلى تفصيل وبيان.

نعم الديمقراطية عامل في تقدمها، وهناك عوامل أخرى أكبر وأهم.

ومع تقدم هذه الدول إلا أنها تعاني فسادا، واستبدادا منظما مقننا، ودلائل هذا الفساد ظاهرة، فمنها:

1-مخالفة حكومات هذه الدول لشعوبها، في دخولها حروبا مدمرة، كحرب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية في العراق. فلم تسمع لصوت شعوبها، ورفض الأغلبية، ومضت كما يمضي الدكتاتور.

2-نسب البطالة المرتفعة، والتسريح المستمر لمئات آلاف العمال، من الشركات العالمية الكبرى، دون ضمانات، تحفظ حقوقهم مستقبلا. والأمر سيزداد سوءا، فكل ما يعيشه الغرب من رفاهية لم يكن سببه الديمقراطية وحدها، بل وجود المعسكر الشيوعي، وقد زال.

3-التضليل الإعلامي الكبير في اختيار المرشحين للبرلمان، وللرئاسة، فلا يشترط في الذي يصل إلى هذه المراكز الكفاءة والأمانة، بل الثروة والنفوذ. فهذا شرط الترشح، والحصول على الدعاية الإعلامية المجانية، فالمرشح إما أن يكون ذا مال، أو متكفلا برعاية مصالح أصحاب المال.

إذا كانت السلطة في الحكم الفردي محتكرة في: أسرة، أو حي، أو قبيلة. فإنها كذلك محتكرة في الديمقراطية، لكن في أقلية ثرية ذات نفوذ مالي. فإما أن تحكم بنفسها، أو بالوكالة عنها؛ ولذا فإن غالب الأحزاب الفائزة بالحكم، لا تمس مصالح هذه الفئة المحظوظة، ولا تطبق عليها القانون، بل يتحايل لأجلها.

وفي أحسن الأحوال: فإن الديمقراطية قد لا تنجح في الحماية من استبداد كهذا دائما؛ لأن آلية الديمقراطية تسمح بمثل هذا التلاعب.

مع ملاحظة أن لكل قاعدة شذوذا، فلا يحتج لإبطال هذا التقرير بالحالات الشاذة، أو القليلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت