فهرس الكتاب

الصفحة 21761 من 27364

وإذا كان ما يؤخذ ويسلب من حقوق الأمة، في النظام الفردي: يأتي عن طريق القوة والعنف. فإن السلب والاستحواذ في النظام الديمقراطي، يأتي من طريق الالتفاف على القانون.

نعم للديمقراطية إيجابيات، لكن لها سلبيات، كالحكم الفردي. والمنهج الصحيح في الاختيار ليس القائم على مجرد وجود المنافع في الأمر المختار، فإنه معارض بوجود المفاسد، وما من شيء إلا وفيه منفعة ومضرة.

إنما المنهج: الاختيار القائم على ترجح المصلحة والمنفعة، على المفسدة والمضرة، يقول تعالى:"وإثمهما أكبر من نفعهما"؛ أي فلهذا حرم الخمر والميسر، لا لمجرد أن فيهما ضررا، فإن فيهما منافع أيضا.

-أين الحل ؟.

فما الحل إذن ؟.. هل نبقى على هذا الحال، لا إصلاح، ولا تقدم، ولا عدالة ؟.

الحل يكمن في عدم الحصر في حل واحد.

هل من المعقول أنه لا توجد طريقة للإصلاح إلا الديمقراطية ؟.

ومن المسلم به: أن المسلمين لم يعرفوا هذا النمط من الحكم، وإن ادعاه من ادعاه ؟!!، فالحقيقة أن الديمقراطية كما صيغت في الغرب، لم تطبق في أي حكم إسلامي، منذ الخلافة إلى سقوط الخلافة العثمانية.

وإطباق المسلمين على ترك ذكرها، وعدم تعاطيه: دليل عدم وجودها في التراث الشرعي، والنص الإسلامي. فهي مغفلة بالكامل، وليست إليها إشارة. وهذا أمر يعرفه من درس القضية بوضوح، بعيدا عن التلفيق.

فإذا كانت النصوص الشرعية لا تحمل هذا الحل، والمسلمون لم يعرفوه طيلة عهود الإسلام، فهذا دليل على أن هناك حلولا أحسن منه، لو كان حسنا، وإلا لما أعرض عنه الشارع فلم يدلنا عليه، مع عظيم فائدته ؟!.

فإن من المقرر شرعا: أن الله تعالى دل المؤمنين على أحسن السبل، وأحسن الطرق للقيام بعمارة الأرض، والحياة فيها، وإقامة الدين. فلم يكن ليترك دلالتهم على النظام الديمقراطي، لو كان نفعه أكبر من إثمه.

إذن الحل ليس في الديمقراطية، هكذا تنطق النصوص، بل فيما شرعه الله تعالى:

-في الدعوة، والبلاغ، والنصيحة، للحاكم، والعالم، والعامي.

-في التربية، والإصلاح، والعون، والصدقة.

-في تعليم الناس أمور دينهم، وإرشادهم في أمور دنياهم.

-في الصبر والتقوى.

-في عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون".

فإن التضحيات حاصلة في كلا الطريقين: الديمقراطي، والإصلاحي بمنظور شرعي. فالديمقراطية لن تأتي على طبق من ذهب، بل تجربة أوربا تبين لنا: أن الشعوب تحتاج إلى مائة عام على الأقل حتى تصل إلى حقوقها، وليست كل الحقوق. فهل نحن بحاجة إلى مائة عام لتربية الناس على الديمقراطية ؟!.

فلتكن تربيتهم على الإسلام، ما دامت الثمرة تحتاج إلى قرن حتى تجتنى إذن، فالمشروع أولى بالبذل !!.

إن هذا لا يعني الانعزال، والبعد عن واقع الحياة، وترك الساحة لفئة تتحكم وتفعل ما تشاء..؟!!.

كلا، ليس كذلك، فإن هذا المبحث يختص ببيان الخلاف بين المؤيدين والمعارضين للفكرة الديمقراطية، وما يكون من نقاش بينهم حول قيام نظام ديمقراطي جديد غير مسبوق: هل تؤيد أم تمانع قيامه ؟.

ولا يختص بالموقف من نظام ديمقراطي قائم أصلا، لم يصنعه ولم يشارك في صنعه، لكنه مضطر للدخول فيه، للمزاحمة، وعدم ترك الساحة خالية.. فهذه قضية أخرى، لها توجيه آخر، ونظرة أخرى..؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت