فهرس الكتاب

الصفحة 21772 من 27364

أفكار لتوسيع دائرة الديمقراطية

الفريضة الغائبة ... أفكار لتوسيع دائرة الديمقراطية

الأستاذ عماد كمال

بسم الله وصلاة وسلاماً على رسول الله .

لقد تفجرت الأحداث السياسية والعسكرية في العراق وفلسطين وأفغانستان والسودان وغيرها من بلاد المسلمين . وفي ظل هذا الانهيار الرهيب الذي يضرب كل مظاهر الحياة في الأمة من هزيمة حضارية وعسكرية وتردي اقتصادي وأزمات حياتية طالت كل شيء من صحة لإسكان لتعليم ... الخ في ظل كل هذا فقد أصبح الوضع على درجة من الغليان تحتم على الكل أن يراجع ما هو عليه، ويتساءل عما يجب أن يقوم به من أعمال، ليشعر معها أنه يقوم بشيء في مستوى سخونة الأحداث من حوله . ولكن وللأسف فإن وتيرة العمل تكاد لا تتغير رغم كل ذلك.

الشورى هي الأصل الثابت والديمقراطية هي التطبيق المتغير

من البديهيات المعروفة أن الإسلام عقائد وعبادات ومعاملات، والأولى والثانية محكومة في الشرع إجمالاً تفصيلاً فلا تحتمل زيادة ولا نقصان، أما الثالثة فمن رحمة الله أنها محكومة بأسس عامة فقط، وقد ترك لنا رب العزة سبحانه مساحة كبيرة للتحرك فيها حسب مقتضيات الظروف الخاصة لكل جماعة من المسلمين وحسب تبدل المكان وتغير الزمان. فإذا كان المسلم لا يستطيع في نطاق العقائد أن يتجاوز الأسس الثابتة لتوحيد الألوهية والربوبية ومبادئ العقيدة المختلفة، وإذا كان كذلك في العبادات لا يستطيع أن يؤدي عبادة نصية لله بغير ما فصلَها الشرع، فيزيد مثلاً من ركعات الصلاة المفروضة أو ينقص أو يستبدل شهر الصيام أو هيئته بغيره .. فإن العبد يستطيع في نطاق المعاملات أن ينقص ويضيف حسب أحواله وبالقدر الذي لا يتجاوز الأسس الثابتة والأمور المجملة في جانب المعاملات. وكان من نتيجة رحمة الله في ذلك أن صار لكل جماعة من المسلمين نظاماً في الحكم قد يختلفوا فيه عن غيرهم ويظلوا رغم ذلك مسلمين ، فالنظام الملكي في بعض الأقطار الإسلامية نظاماً إسلامياً ومثله الجمهوري أو نظام الخلافة .. ومثل ذلك في نظم إدارة الاقتصاد ووسائل التقاضي وقوانين البيع والشراء والتعليم والصحة والعلاج وخطط الحروب ووسائل إعداد وتسليح الجيوش ..الخ . فإسلامية أي نظام للمعاملات تنبثق من مطابقته لثوابت الشرع مهما كانت التفصيلات متبدلة ومتغيرة . وقد استفادت الحضارة الإسلامية في مهدها من هذه الميزة التشريعية فاقتبس المسلمون من حضارة غيرهم من الفرس والروم ما صلح منها وطابق الشرع، فاقتبس خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه نظام الدواوين من الفرس، واقتبس المسلمون نظام العملة من الروم وغير ذلك كثير .

فالإسلام في نظام المعاملات ليس منشئاً بل ضابطاً، بمعنى أن الشرع الإسلامي لم يأت للبشرية بنظام البيع أو التقاضي أو التعليم أو الحكم، فتلك من ثمرات تطور الإنسان السابقة واللاحقة على ظهور الإسلام. وللأسف فإن بعض العلماء وبدافع الغيرة على الدين ومن منطلق العداء لأعداء الأمة فإنهم يصرون على رفض بعض الابتكارات البشرية في نظام المعاملات ويكتفون بالتطبيقات والممارسات الإسلامية القديمة في جانب المعاملات ويجعلونها بديلاً لما عند الغرب. ومن هذه الأمور نظام الشورى في مقابل الديمقراطية . وهذه النقطة مما كثر الخلاف حولها ، وزخرت المكتبة الإسلامية بمئات الكتب التي تقدم الشورى على أنها البديل الإسلامي للديمقراطية الغربية . وهو اشتباك قد ضر أكثر مما أفاد، لأنه يعمق الخلاف الحضاري بيننا وبين غيرناويحرمنا من ابتكار بشري فيه ما ينفعنا بإذن الله. فالشورى أصل ومبادئ حاكمة ، أما الديمقراطية فتطبيقات عصرية منها ما يوافق الشرع ومنها ما يجافيه . وكما فعلنا مثلاً في نظام إدارة الشركات الذي استوردنا تفصيلاته وأعدنا تهذيبها وضبطها على الشرع، فلا مانع من اقتباس ما صلح لنا من هذا الابتكار البشري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت