فهرس الكتاب
فالديمقراطية قد صارت الآن نهجاً سياسياً واجتماعياً في إدارة الشعوب له تفصيلات مرتبطة بالمرحلة الزمنية التي تعيشها البشرية الآن، نظام يستقي تفصيلاته من تجربة طويلة عاشتها الشعوب الحديثة تخللتها أخطاء وعثرات ناتجة عن عدم عدالة توزيع السلطة داخل الأمم، فاستأثر بالأمر حفنة قليلة من الناس أسرفوا في استخدام السلطة وفي التفرد بالقرار وفي قهر المعارضين والناصحين حتى كان تجبرهم سبباً في خراب هذه الشعوب وإيقاف نموها . وقد أنتجت هذه المعاناة نظاماً لتقسيم السلطة يسمح للقواعد الشعبية في كل بلد أن تقوم من خلال ممثليها المنتخبين باختيار ومراقبة أداء الحكام والمسئولين ومحاسبة وعزل من يتعدى حدوده منهم. إضافة إلى قائمة بحقوق التعبير عن الرأي تضمن لكل صاحب رأي أن يعبر عنه بحرية دون أن يجد نفسه محل اتهام أو يضار في بدنه أو رزقه. وكانت النتيجة أن قلت مظاهر الفساد الإداري وأمن كل مخالف في الرأي على نفسه وانفتحت أبواب الوظائف الإدارية أمام الأكفأ والأقدر عليها دون اعتبار لجنس أو ثروة أو قرابة من مسئول، وأصبح المعارضون يجتمعون في أحزاب وينافسوا أهل الحكم بالبرامج والدعاية السياسية حتى يصلوا إلى موضع السلطة فيجتهدوا في إنفاذ برامجهم وأفكارهم، بدلاً من أن كان المعارضون يزجون في السجون .
والديمقراطية ليست شكلاً واحداً، بل هي مبادئ عامة تقوم على حرية تداول السلطة وحق القاعدة في اختيار حكامها والرقابة عليهم وضمان حرية التعبير. ومن خلال هذه المبادئ أخذت كل أمة ما يناسبها، فهناك شعوب بغير دين خلت ديمقراطيتها من أي سلطان لله على العباد. وغياب الدين هنا ليس ناتجاً عن الديمقراطية، بل أن هذه الشعوب حتى ولو حكمت بغير الديمقراطية فلن تجعل للدين عليها من سلطان. وهناك بفضل الله في المقابل نماذج حكم إسلامية حققت تطبيقات للديمقراطية تجعل الدين حاضراً في التشريع ومهيمناً عليه . وحتى وإن كان هناك أخطاء وعثرات لهذه الدول أيضاً فهو مما لا يقارن بأي حال من الأحوال بما في بقية الدول التي غيبت الديمقراطية وزجت بالمعارضين في السجون وافترش فيها المسئولين المناصب حتى الممات.
وللأسف فالبعض وبدافع الحرص على الدين قد اتخذ موقفاً عدائياً غير مبرر من هذا الابتكار البشري في الحكم، وقد يكون هذا العداء مبرراً لو كانت شعوبنا التي ترفض الديمقراطية قد قدمت ومن خلال أي مسمى سياسي آخر نظاماً سياسياً يحترم آدمية المواطن ويحقق للشعوب النمو والازدهار، ولكن أن تكون شعوبنا العربية على هذا الحال المرزي من التخلف الحضاري والسياسي والقهر الذي وصل إلى مدى تشمئز منه النفوس السوية، ثم يخرج بعض الدعاة ليعترضوا على هذا الابتكار البشري الذي يقي الشعوب بعضاً من جور حكامها ، ثم نجد هذا الداعية المعارض للديمقراطية لفظاً وممارسة يغض الطرف عن جبروت الحكم في بلاد المسلمين، وتخلوا كتاباته التي تذم الديمقراطية من كلمة اعتراض تندد بواقعة واحدة جار فيها الحاكم على بعضاً من مسلمي بلاده، فأمر قد يوحي للبعض بسوء الظن ويؤدي إلى اتهام هؤلاء الدعاة بالعمل من تحت عباءة حكامهم . فمن يرفض الديمقراطية لابد أن يبدوا عليه أنه مهموم بأمر المسلمين وأنه مع العدل السياسي كمبدأ ولكنه يعترض على المسميات، ولكن أن تتحول قضية الحرية وطغيان الحكام إلى مساجلات سياسية وفكرية في المقارنة بين الشورى والديمقراطية دون الإلتفات إلى أصل الداء وهو القهر وسوء الحكم، فأمر يكرس الواقع المتردي للأمة. فالقضية هي العدل والحرية، والقضية هي استنزاف ثروات الأمة وخيرها لصالح حفنة من حكام القهر والجور، القضية هي آلاف الشباب والرجال والنساء المغيبين في السجون، القضية هي ملايين الأفواه المكممة، القضية هي فساد الحكم الذي أدى إلى تحول أمة كانت حاضرة العالم إلى أمة عالة على العالم تأكل وتلبس وتركب من كد المجوس وعبدة البقر. إن المثل السائر يقول ليست النائحة كالثكلى وعلى الدعاة ألا يجروا الأمة إلى مهارب فكرية وجدلية حول هذا النظام في الحكم أو ذاك، فمن ينادون بالشورى أو الديمقراطية لابد أن يتوجهوا بخطابهم إلى مصادر الجور لا إلى إخوانهم من الدعاة وأتباعهم من المسلمين..