ثم تأتي بعد ذلك لعبة توزيع مراكز الاقتراع، بحيث تتفاوت قيمة الأصوات. وسبب ذلك هو الخلل في آلية التصويت، فمحور الديمقراطية هو المساواة السياسية بين أفراد المجتمع، ولكن الواقع هو أنه قد يفوق صوت شخص واحد عشرات الأصوات في مكان آخر، وتدل نتائج الانتخابات البريطانية عام 1983 على هذا التباين الخطير:
مجموع مقاعد مجلس العموم ... نسبة الأصوات ... عدد الناخبين ... الحزب
379 ... 42.4% ... 13.012.315 ... المحافظون
209 ... 27.6% ... 8.456.934 ... العمال
23 ... 25.4% ... 7.780.949 ... الأحرار الاشتراكيون
فقد حصل العمال على 6ر27% من مجموع الأصوات وفازوا ب 209 مقعداً في مجلس العموم بينما حصل الأحرار/الاشتراكيون على 4ر25% من الأصوات وفازوا ب 23 مقعداً فقط، أي أن الفرق بين الحزبين هو 2.2% من الأصوات وفرق المقاعد هو 186 مقعداً! بينما حصل المحافظون على 42% من صوت الناخبين و61% من مقاعد مجلس العموم، فأين هي المساواة السياسية التي تنادي بها الديمقراطية؟
الديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية:
لقد خاضت الرأسمالية الغربية حربين عالميتين ضد الفاشية والدكتاتورية، وحرباً ثالثة"باردة"مع الشيوعية، وفي هذه الأثناء تم استخدام الديمقراطية بديلاً إيديولوجيا، وأصبحت في قاموس المصطلحات السياسية رديفاً للحرية، وتحرير البشرية، واحترام حقوق الإنسان، وصيانة ملكية الفرد. ويمكن ملاحظة تطورين مهمين في المسار الديمقراطي في العالم:
1)اتجهت الحكومات الغربية نحو مزيد من المركزية في الحكم. وأبرز آثار هذه المركزية هو سيطرة الدولة على مقاليد أمور المجتمع بما في ذلك الاقتصاد، بينما تلعب أجهزة الاستخبارات دوراً رئيسياً في الداخل والخارج. ويشعر الأوروبيون بالخطر من تزايد سيطرة الدولة على جميع أمورهم، فالديمقراطية والرأسمالية على السواء تدعوان إلى محدودية دور السلطة في حياة الشعب، والواقع في أوروبا هو أن السلطة الحقيقية قد حجبت عن الجماهير لصالح الأحزاب التي تهيمن على آلية الحكم، ومع مرور الوقت فقدت المجالس البرلمانية نفوذها لصالح الحكومات التي قلما تمثل إرادة الشعب، أو حتى أغلبية الجماهير. وإذا اعتبرنا اللجان البرلمانية مقياساً لمدى مركزية النظام، فإن عهد رئيس الوزراء العمالي كليمينت آتلي (1945-1951) قد شهد تشكيل 466 لجنة لتحديد سياسات الدولة وصياغة القوانين، بالمقارنة مع 190 لجنة في عهد جيمس كالهان (1976-1979) ، و150 لجنة فقط في الفترة (1979-1985) من عهد مارغريت تاتشر [ (1) ] .
ويرى ريتشارد جاي بأن مستقبل الديمقراطية في الغرب لا يدعو إلى التفاؤل في ظل نمو البيروقراطية وتضخم أجهزة الحكم وتزايد اعتماد الجماهير على الدولة في تسيير شؤون حياتهم اليومية، وإذا استمر الحال على ما هو عليه فإن:"عوامل حكم الشعب نفسه معرضة للانقراض" [ (2) ] . والحقيقة هي أن السلطات السياسية في الغرب كانت كلما وسعت دائرة الناخبين لتشمل النساء والشباب والأقليات كانت في المقابل تحدد من سلطة الشعب، ويعترف الكثير من أعضاء مجلس العموم اليوم بأنهم لا يملكون أي سيطرة على آلية اتخاذ القرار لأن زمامها أصبحت في يد قيادة الحزب بالتحالف مع الشركات العملاقة وأجهزة الاستخبارات السرية وإمبراطوريات الصحافة.
2)أما التطور الثاني: فهو تحول الديمقراطية إلى نظام يفرض على حكومات وشعوب"العالم الثالث"، وارتباط المساعدات الاقتصادية والعلاقات الدبلوماسية بتبني النظام الديمقراطي. بل واحتلال بعض الدول وفرض الوصاية عليها حتى تحقق المزيد من التطور الديمقراطي. والملاحظ في هذه الصورة المشوهة هو أن الديمقراطية لا تعني سوى الانتخابات الشكلية،
دون الاكتراث بنظام الحكم إن كان ملكيا وراثياً أو دكتاتورياً عسكرياً أو حكم عصابة من تجار المخدرات، ودون الاهتمام برأي الجماهير في تلك الدول إذا كانت معادية للغرب لأنها شعوب:"جاهلة، غير واعية، وغير قادرة على تحمل المسؤولية"كما وصفها جيمس ميل. لقد هيمنت هذه الصورة المعاصرة من الديمقراطية وأصبحت الإيديولوجية التي يجب أن تسود العالم، والنظام الأوحد الذي تسير البشرية في ركابه. وهكذا تكتمل دورة تطور الفكر الديمقراطي للتمحور حول ثلاثة أصول:
أ) الوصاية على الشعوب غير الواعية.
ب) مركزية الحكم بسبب تعقد الحياة.
ج) فرض هذا النظام على جميع الشعوب لأنه يحقق الحياة الأمثل للبشرية.
(2) صلى الله عليه وسلم Jay, Democ r acy, in (political Ideologies) (London 1985) P. 181