فهرس الكتاب

الصفحة 21786 من 27364

فأين هي المساواة بين جميع أفراد المجتمع، وما قيمة الشعارات التي يتبناها الغرب ويفرضها على الآخرين في ضرورة تحقيق المساواة السياسية بين المرأة والرجل؟ وثمة مشكلة أخرى في مسألة التمثيل تتلخص في أن أغلب المفكرين الغربيين يجادلون بأن عضو المجلس هو في الحقيقة مفوض وليس ممثلاً لمنتخبيه، أي أن انتخابه يعكس ثقة الجماهير بكفاءته وقدرته على تمثيل مصالحهم في البرلمان، لا لأن يكون مجرد صدى لآرائهم وأفكارهم. بل إن الجهة الوحيدة التي يجب أن يمثلها عضو المجلس هي الحزب الذي ينتمي إليه وليس منتخبيه. و بهذه الصورة تكون قد انقرضت آخر معالم الديمقراطية التي بدأت بحكم الشعب، وتنازلت إلى اختيار الشعب من يمثله في الحكم، ثم تطورت بعد ذلك إلى اعتبار الشخص المنتخب ممثلاً للحزب"بتفويض من الجماهير".

ثالثاً) الحزبية:

يرى كل من جان جاك روسو وجيمس ميل أن دخول الأحزاب في المجالس النيابية مناقض للديمقراطية ومناف لأصولها. فالأحزاب في الفكر اليوناني تفرق الشعوب وتنشر فيهم أجواء الخلاف وتناقض مفهوم المجتمع الواحد. والأحزاب كذلك تمثل وسيطاً سلبياً بين الشعب وآلية الحكم، مما يجعلها عائقاً لمباشرة الجماهير أمور حياتهم، والتعبير عن أنفسهم.

فالجماهير في الديمقراطية البريطانية على سبيل المثال لا تختار أعضاء المجلس والحكومة التي تمثلهم، وإنما ينتخبون الحزب الذي يحكم رئيسه حسب ما يقتضيه برنامج الحزب وبحكم تصوره للمصلحة العامة دون وجود أي مرجعية للشعب. إن الأغلبية من المنتخبين لا يحصلون أثناء الحملة الانتخابية إلا على الوعود، ثم تسود فترة طويلة من احتكار الحزب لآلية اتخاذ القرار. وقد عبر عن هذه الظاهرة اللورد هيلشام عام 1976 بقوله:"إننا نشهد عصر الدكتاتورية المنتخبة"، في إشارة إلى هيمنة حزبين متناحرين على زمام السلطة في بريطانيا طوال قرن كامل من الزمان، فقبل الحرب العالمية الثانية كانت المنافسة بين المحافظين والأحرار، ثم تحولت إلى منافسة بين العمال والمحافظين بعد الحرب. وإذا أخذنا في الاعتبار بأن عدد المهتمين بالنشاط الحزبي في بريطانيا لا يتجاوز نسبة 5% فقط [ (1) ] ، فإن الأغلبية المستقلة لا تجد من يمثلها في هذا النظام.

رابعاً) الأكثرية:

يتزعم ميل تيار المفكرين الذين يرون بأن ارتباط الأغلبية بالممارسة الديمقراطية أمر شديد الخطورة. فالديمقراطية في حقيقتها تسعى إلى حكم الشعب وليس حكم الأكثرية.

وقد نشأ مبدأ الاحتكام إلى الأكثرية لتحديد أعضاء المجلس وسياسة المجتمع من وجود خلل في التطبيق الديمقراطي لمبدأ الثقة بقدرة الجماهير على حكم نفسها، وضرورة وجود من يمثل الشعب في الحكم بدلاً من مباشرة الأفراد لذلك. ولهذا السبب فقد ارتبطت الأغلبية بالديمقراطية ارتباطاً وثيقاً وصارت الشرعية تستمد من الأكثرية. وتكمن الخطورة في هذه الصورة الجديدة من الشرعية في النقاط التالية:

أ) إن الذي وقع بالفعل هو استبدال تسلط الأقلية (في الأنظمة القديمة) باستبداد الأكثرية في الممارسة الديمقراطية الحديثة. فقد مكنت آلية الاحتكام للأكثرية إلى استفادة فئة من المجتمع على حساب المجموعات الأضعف من الأقليات الدينية والعرقية والنساء وطبقة الفقراء. وقد تبين معنا في الصفحات السابقة كيف سيطرت الطبقة الوسطى من البيض على زمام الممارسة الديمقراطية خلال قرن من الزمان. ومع مرور الوقت تزداد قوة الفئة المتحكمة، وتحتكر المزيد من السلطات على حساب الفئات الأخرى التي لا تتمكن من مباشرة الحكم بنفسها ولا تجد من يمثلها في هذا النظام.

ب) يتساءل الكثير من المفكرين الغربيين: هل الأغلبية دائماً على حق؟

وهل يعني تأييد الغالبية لرأي معين بأنه رأي صحيح؟ أليس من الخطأ افتراض أن الأقلية دائماً على باطل؟

والحقيقة هي أن الأكثرية تصوت لتحقيق المصالح الخاصة وليس لتحقيق المصلحة العامة ورفاهية المجتمع. وكثير ما لاحظ مؤرخو الغرب أن الشعوب تؤيد من يحقق مصلحة غالبية أفرادها ولو كان ذلك على حساب الأقلية أو على حساب الحرية أو الديمقراطية نفسها. ولذلك فقد اعتبر تأييد أغلبية المجتمع الألماني لأدولف هتلر في أواخر الثلاثينيات إجماع على باطل لأنه كان ضد الأقلية من اليهود!

ج) إذا وافقنا جدلاً على شرعية الأغلبية، فهناك مشكلة أخرى تتمثل في أن أنظمة الانتخابات لا تفرز حكومات مدعومة بأغلبية الشعب. ففي بريطانيا على سبيل المثال لم يحصل أي حزب خلال الخمسين عاما الماضية على 50% من أصوات الناخبين بل تكون النتيجة عادة هي أن الحزب الحاكم يمثل أصوات أكبر أقلية في المجتمع. ويشير إلى هذه الظاهرة روبرت دال بقوله:"إن الأكثرية لا تحكم أبداً، فالنظام السياسي يعطينا الخيار بين حكم أقلية أو حكم مجموعة من الأقليات" [ (2) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت