فهرس الكتاب

الصفحة 21785 من 27364

لم يكن لدى السياسيين في الحقيقة ثقة بقدرة الجماهير على حكم أنفسهم، فقد كانت الأكثرية من العمال والفلاحين تعيش في جهل وفقر مدقع تحت وطأة الأرستقراطية التي تحتكر السلطة السياسية، وقد زعم جيمس ميل بأنه يصعب تحميل هذه الطبقة من:"الجهلة، عديمي المسؤولية، والعاجزين عن تطوير أنفسهم فكرياً"مهمة الحكم المباشر. ولذلك فقد تم استحداث آلية برلمانية للموازنة بين سلطة الأرستقراطية في مجلس اللوردات وسلطة الشعب في مجلس العموم، واعتبار الملكية وصياً على هذا النظام الذي يتناقض في أصله مع النظرية اليونانية والتي تنص على ضرورة الثقة الكاملة بإمكانية حكم الجماهير أنفسهم. وقد استمر الجدال لفترة طويلة بين السياسيين الأوروبيين حول خطورة توسيع سلطة الشعب، والفوضى التي يمكن أن تنتج من جراء ذلك، وفي هذا المجال صرح السياسي البارز راندولف تشرشل، والد ونستون تشرشل، في الثمانينيات من القرن التاسع عشر:"إنني أثق بالشعب... ولا أخشى من الديمقراطية... فديمقراطية المحافظين تؤمن بأن الملكية - الوراثية - ومجلس اللوردات- الوراثي - هي أقوى الحصون التي شيدتها البشرية على مر العصور لحماية الحريات الديمقراطية، والتي تخضع وتدين بالولاء للمؤسسة الكنسية"!! [ (1) ] .

وقد بقي هاجس الخوف من حكم الشعب مسيطراً على السياسيين الغربيين، فكان الاقتراع محصوراً على عدد محدود من الذكور ولم يسمح لطبقة العمال والنساء والأقليات بالتصويت إلا في مرحلة متقدمة من القرن العشرين. ويمكن القول بأن الممارسة الديمقراطية المعاصرة لا تزال تخدم فئة محدودة من السياسيين الذين يغلب عليهم الحذر الشديد من مغبة التوغل في مفهوم حكم الشعب المباشر.

ثانياً) التمثيل:

لقد كان من أبرز الانتقادات للفكر اليوناني أنه نظر إلى المجتمع نظرة بدائية لا تتناسب مع واقع الحياة الغربية وتعقيداتها في القرن التاسع عشر. وقد جادل المفكرون الغربيون بأن الحكم المباشر للشعب أمر يستحيل تحقيقه لأن مشاركة أعداد كبيرة من الجماهير في جميع الأمور سيخلق جوا من الفوضى السياسية التي تودي بالمجتمع إلى الهاوية. ولذلك فقد كان البديل هو استبدال حكم الشعب بحق اختيار الشعب لمن يحكمهم ويعتبر هذا التنازل هو المنعطف الرئيسي الذي عرقل مسيرة تحقيق الديمقراطية بأصولها. ولا تزال هناك فئة من المفكرين الغربيين تنادي بضرورة تطوير آليات الحكم المباشر للشعب بدلا من تطوير آليات وسبل تمثيل الشعب. ويمكن القول بأن الديمقراطية المعاصرة قد حجبت عن الشعب حق الحكم ومنحته حق اختيار الحاكم وشتان بين الأمرين.

وتكمن الإشكالية في مبدأ التمثيل بأن المجالس النيابية في صورتها الحالية لا تمثل التركيبة الاجتماعية للمنتخبين ولا تنطق عن أفكارهم.

لقد رأى كل من ميل وبينثام في أواخر القرن الثامن عشر أن الطبقة الوسطى تملك أوضح رؤية لتحقيق مصلحة الشعب إذا ما قورنت بالأغلبية من الفقراء أو الأقلية من الأرستقراطيين، ولذلك فإنه يجب أن يكون أساس الممارسة الديمقراطية قائما على النواب الذكور الذين ينتمون إلى هذه الطبقة وتتجاوز أعمارهم سن الأربعين [ (2) ] . ويبدو أن الديمقراطية الغربية لم تحقق الكثير من التقدم في مجال التمثيل، فمن المثير للاستغراب هو أن مجلس العموم البريطاني في أواخر القرن العشرين لا يزال يمثل هذه الأقلية من المجتمع، في حين أن الأغلبية لا تجد من يمثلها، ففي إحصائية لأعضاء البرلمان البريطاني عام 1981 تبين بأن 86.6% من حزب المحافظين 85.4% من حزب العمال هم من البيض المنتمين للطبقة الوسطى الذين تتجاوز أعمارهم سن الأربعين [ (3) ] .

بل إن الحقيقة التي فرضت نفسها في انتخابات بريطانيا عام 1983 هي أن أعضاء المجلس لم يعكسوا تركيبة المجتمع، مما يعني أنهم غير قادرين على تمثيل الشعب، بل كانت أكثرية المجلس تمثل فئة واحدة وهي: البيض، الذكور، المنتمين للطبقة الوسطى، كما كان الحال في أواخر القرن الثامن عشر. ويوضح الجدول التالي توزيع النساء والأقليات في بريطانيا خلال الانتخابات الثلاثة الماضية [ (4) ] :

مجموع مقاعد مجلس العموم ... عدد الأقليات ... عدد النساء ... انتخابات عام

(1) صلى الله عليه وسلم J. White (ed) The Conse r vative T r adition, (London 1964) PP. 228-30.

(2) صلى الله عليه وسلم Jay, Democ r acy, in (Political Ideologies) (London 1985) P. 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت