فهرس الكتاب

الصفحة 21784 من 27364

وقد أورثت ثقافة التجريد والاعتزال عن تفسير الواقع أثر في غاية الخطورة ، وهو التطرف الفكري وسيادة نظرية المؤامرة ، فالأخ المعزول عن دراسة الحقائق المادية للواقع ،وعن معرفة حجم وأسباب المشكلات والهزائم الحياتية، والذي اختصرت له القضية في ( غياب الإسلام ) ، قد صار يستسهل حل أعتي المشكلات باختزالها في عناوين فضفاضة كتطبيق الشريعة والعودة إلى الله ..الخ ويشعر في المقابل بأن غياب حلمه الوردي في إقامة المجتمع المسلم هو نتيجة لأخطاء ومؤامرات الفئة الحاكمة تحديداً والتي تغفل هذا الحل السهل البسيط. فامتلأ بالسخط الدفين عليها ، واحتقر كل الجهود التي تبذل للعلاج ، وانفصل عاطفياً وذهنياً عن المشاركة الفعالة، وعن تبني الجهود الإيجابية لكل من لا ينطلق مثله من نفس الثوابت الذهنية في تعاطي مشكلات الواقع، وصار لديه إيمان لا يتزعزع بأن جماعته وفكرته هي البديل للمجتمع ، ولم تعد الكلمات المرسلة عن أننا جماعة من المسلمين ولسنا جماعة المسلمين تجدي نفعاً في تخفيف حدة التعصب الداخلي للحل الإخواني لمشكلات الواقع ، والذي هو في حقيقته دليل عمل وليس حلاً بالمعنى الدقيق.

هذا ما نحسبه تشخيصاً وعلاجاً لمشكلة الديمقراطية ، وفي حدود الممكن خلال هذه الفترة ، على أن تتسع الدائرة تدريجياً بتوالي النجاحات بإذن الله . والله الموفق لما فيه الخير .

نقد الديموقراطية المعاصرة في الفكر الغربي

د. بشير زين العابدين

دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة بندن

"يروق للسياسيين استخدام مصطلح الديمقراطية - الذي تحبه الجماهير - لأنه يمنحهم أفضل فرصة لتجنب المسؤولية، ويمكنهم من سحق خصومهم ... باسم الشعب" [جوزف شمبتر [ (1) ] ].

يتميز الفكر الديمقراطي بأنه نشأ في عصر سابق للفترة التي نشأت فيها الإيديولوجيات الأوروبية كالقومية والرأسمالية والليبرالية خلال القرنين الثامن والتاسع عشر. فقد استخدم مصطلح"الديمقراطية" [ (2) ] لدى فلاسفة اليونان خلال القرن الخامس قبل الميلاد، للتعبير عن نظام يمنح الشعوب حق حكم نفسها وتقرير مصيرها. ويعتبر المؤرخون بأن ظهور هذه الفكرة يمثل ردة فعل للأنظمة السائدة في ذلك العصر والتي تقوم على نفوذ النبلاء (الأرستقراطية) وتسلط الأقلية (الأوليجاركية) وحكم الفرد (الملكية) .

وقد قامت الديمقراطية على افتراض أن الشعوب لا تحتاج إلى وصاية أقلية للقيام بأمرها، ولا بد - لتبني هذا الافتراض - من الثقة المطلقة بقدرة الشعوب على القيام بأمر الحكم وتحقيق المصلحة المشتركة، وتجنب الإضرار ببعضهم البعض، وأن أفراد الشعب متساوون في حقوقهم السياسية ولكل واحد منهم حق المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار وصياغة السياسات التي تحقق الأمن والرخاء للمجتمع.

وكان جان جاك روسو (1712 - 1778) من أبرز مفكري القرن الثامن عشر، الذين نادوا بتطبيق الديمقراطية الحقة حسب أصولها اليونانية، والتي نصت على ضرورة المشاركة الفعلية لجميع أفراد المجتمع الديمقراطي في سائر جوانب الحياة العامة. وقد جاءت جدليات روسو لتبين حجم التباين بين النظرية والتطبيق في الممارسة الديمقراطية في أوروبا الحديثة.

وتحاول هذه الدراسة تبيين أبرز نقاط الخلاف بين أصول الفكر الديمقراطي وتطبيقاتها خلال القرنين الماضيين. وقد استخدم المثال البريطاني لأنه يمثل أقدم ديمقراطية في العالم الغربي، ويعتبر مثالاً يحتذى في التطبيقات الديمقراطية المعاصرة.

بين النظرية والتطبيق:

حظيت الديمقراطية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر باهتمام فئة من مثقفي الطبقة الوسطى، الذين أرادوا تحدي سلطة الملكية والكنيسة بشرعية الشعب. ويشير المؤرخ البريطاني ريتشارد جاي [ (3) ] إلا أن المنتمين إلى هذه الطبقة كانوا يسعون في الحقيقة إلى حماية ثرواتهم من تسلط الملكية وطمع الطبقة الفقيرة على السواء. ولذلك فقد اعتبرت"سلطة الشعب"سلاحاً استخدمه الأوروبيون في صراعهم الطبقي المرير، ووسيلة لاستبدال نظام مندثر بآخر يمكن لفئة جديدة من ممارسة السلطة بشرعية جديدة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماهير.

وقد وقع العبء على عدد من المفكرين الغربيين مثل جيرمي بنثام (1748 -1832) وإدموند بورك (1729 - 1797) وجيمس ميل (1806 - 1873) للتوفيق بين فرضيات القرن الخامس قبل الميلاد وواقع أوروبا في عهد الثورة الصناعية. ونتج عن ذلك صورة جديدة لديمقراطية معاصرة تتغاير في أصولها مع الديمقراطية اليونانية. ويمكن تلخيص أبرز محاور هذا التباين في النقاط التالية:

أولا) الوصاية على الشعب:

(2) وهي مزيج من كلمتين ديموس (Demos) وتعني: الشعب، وكراتوس (C r atos) وتعني: السلطة، أي سلطة الشعب

(3) صلى الله عليه وسلم Jay. Democ r acy. in (Political Ideologies) , (London 1985) P. 162

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت