وإلا فمتى كان السلطان حاكما بالشرع، قائما بالعدل، ناصرا للملة، حافظا للحقوق - ومن أهمها حق الشورى لمن هو أهل للشورى - فقد أدى ما عليه، فمن يوجب عليه التعددية السياسية مطلقا؛ فهو مخطئ خطأ بينا، زاعم ما لا برهان له به من الشرع.
وقد ذكرنا فيما سبق، في غير موضع، أنه ليس ثمة في الكتاب والسنة، ما يمنع من الاستفادة من الوسائل العصرية السياسية التنظيمية، حتى في إدارة الدولة، ما دامت تحقق مقاصد الشريعة ولا تعارض نصا من نصوصها.
وكذا يقر الإسلام التعددية في الأفكار والابتكارات العلمية الدنيوية، والفنون المباحة، والعادات، ونحو ذلك مما فطر الله الخلق على التنوع فيه، لأن ذلك من طبيعة الخلق التي فطر الله الناس عليها، وهي تثري المجتمعات، وتضفي عليها تلونا جميلا، فهو أمر محمود مطلوب.
وما زالت أمتنا تحوي هذا التنوع المحمود في تاريخها منذ عصر الصحابة من غير نكير.
هذا ولم تزل أمتنا مزيجا متنوعا رائعا من شعوب شتى، تختلف في عاداتها والوان فنونها، ومعايشها، ولغاتها، غير أنها تجتمع على ثوابت الأمة العامة؛ وهي أصول هذا الدين العظيم.
أما التعددية في عرف العصر؛
فإنها يقصد بها في الغالب عند الإطلاق؛ السماح بما يسمى التعدد الثقافي - والسياسي تبع له - القائم على أصول تناقض أصول الشريعة، وليس المقصود هنا - في هذا العرف العصري - السكوت عن الباطل ما بقي اعتقادا بالقلب، أو إقرار أهل الأديان التي يكونون أهل ذمة على دينهم وعباداتهم، بالشروط الشرعية المرعية.
بل المقصود الإذن بإظهار الدعوة إلى الكفر والمنكر، وحماية الداعين إلى ذلك بالقوانين - كما تنص على ذلك الدساتير العلمانية الوضعية تحت شعار الديمقراطية -
فهذا من الكفر، بل هو الكفر نفسه، وما أشبه هذه العقيدة الكفرية بقول المشركين: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب} .
ومن الواضح أن هذا ليس من التعددية في ثقافة أمة في شيء، بل هو اختراق ثقافي لها، وغزو عقدي من ثقافة أمة إلى أمة أخرى، فتسميته تعددية من التلاعب بالألفاظ.
ومن يدعو إلى مثل هذا، دون ان يشترط أن تغير الاحزاب عقائدها وتدين بالإسلام، وتسلك في نظام لا يتحاكم إلا إلى الشريعة؛ يبين له حقيقة ما يدعو إليه، وأنه يناقض أصل الدين، فإن أصر فهو مرتد، له حكم أمثاله من المرتدين.
وأما من يحتج على جوازه بوجود الزنادقة في تاريخ الإسلام؛
فهو كالقدرية المشركة التي تستدل بوقوع الكفر على إباحته، كما قال تعالى: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} .
وما هذه الأحزاب العلمانية اللادينية، والمرتدة الضالة، الداعية إلى ما ينقض الإسلام؛ إلا زنادقة العصر، ومن طالب بأن يشرع لهم تشريع يبيح لهم الدعوة إلى كفرهم وحماية دعوتهم، فحكمه حكمهم.
وأما من يحتج على جواز ما يسمى"التعددية"، بوجود الفرق الضالة التي لم تخرج عن الإسلام، وجودها في تاريخ الإسلام؛
فيقال:
أولا: إن تلك الفرق كانت من جملة المسلمين، المقرين بالتنزيل والانقياد للوحي في الجملة، وإنما ضلوا في تأويله، لا في تنزيله، فلا يصح قياس الزنادقة عليهم، وهي هذه الأحزاب اللادينية العلمانية.
وثانيا: لا يحتج بما يقع في الوجود على أنه مشروع - كما تقدم - وقد وقع في تاريخ ملوك الإسلام من المخالفات الشرعية ما الله به عليم، وليس هذا بحجة.
وأما زعم الزاعم؛ إقرار العلماء لوجود الفرق الضالة!
فلم يقروه، بل أنكروا عليهم بدعهم، وبينوا ضلالهم وحذروا منهم، كما أمر صلى الله عليه وسلم بقوله: (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) .
ولا أعلم عالما من أهل السنة، أباح لسلطان أن يشرع لأهل البدع والضلالة تشريعا يسمح لهم بالدعوة إلى منكراتهم وبدعهم، أو ينصب لهم منبراً يمكنهم من ذلك، كيف وقد أمر الله تعالى بإنكار المنكر إن ظهر، وجعل ذلك من أعظم واجبات الدين، وجعله حقا عاما للمسلمين؟!
ولهذا كان عمر رضي الله عنها يعاقب على إظهار منكرات البدع أشد العقوبة، وكان في ذلك قائما بالقسط، حاكما بالعدل، عاملا بالكتاب - كما فعل بصبيغ بن عسل -
وقد اتفق العلماء على وجوب منع أهل البدع من إظهار بدعهم، وأن السلطان يكون مفرطا فيما يجب عليه؛ إن لم يفعل، كما اتفقوا على وجوب قتال أهل البدع إن كانوا طائفة ممتنعة، وتنازعوا هل يجوز قتل الواحد منهم.
قال شيخ الإسلام: (وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي عنهما - أعني عمر وعليا - قتلهما أيضا، والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتلهم إذا كانوا ممتنعين) .
وأما الرد على من زعم أن عليا رضي الله عنه أباح للخوارج الدعوة إلى ضلالهم، ومكنهم من ذلك؛
فنذكر أولا الرواية، ثم نبين بطلان هذا الاستدلال.
قال ابن كثير رحمه الله: (ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا رضي الله عنه بالعداوة والمخالفة وقتال علي إياهم وما ورد في ذلك من الأحاديث؛