فهرس الكتاب

الصفحة 21793 من 27364

لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم - وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي 0 فقالا: لا حكم إلا للهـ فقال علي: لا حكم إلا للهـ فقال له حرقوص: تب إلى الله من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، اذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا.

فقال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وعهودا، وقد قال الله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم... الآية} ، فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه.

فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك، أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقال له: تبا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفى عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم.

فخرجا من عنده يحكمان أمرهما، وفشى فيهم ذلك، وجاهروا به الناس.

وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه، فقام إليه جماعة منهم كل يقول: لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع أصبعه في أذنيه يقول: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر يقول: حكم الله ننتظر فيكم، ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا) أهـ

فليس في هذا - إن صح إسناده - حجة البتة على أنه يجوز تمكين أهل البدع من إظهار بدعهم، والدعوة إليها، والمطالبة بتأسيس حزب يدعو إلى الضلالة بقانون يحميهم، ولا يقول بهذا عالم يفقه هذه الشريعة، فيعارض النصوص المحكمة الآمرة بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد - يد السلطان، ويد من يقدر وجوبا - قبل اللسان والقلب.

وإنما كان هذا القول من علي رضي الله عنه؛ تبرئة للذمة، وقطعا لأي حجة قد يحتج بها مبطل فيما لو قام رضي الله عنه فقاتلهم، فقال:"إن كنتم مع جماعة المسلمين لم تمنعوا من المساجد، وإن كانت أيديكم معنا في جهاد اعداءنا،لم تمنعوا الفيء، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا"، وسكت عما وراء ذلك، وكان بينه وبين القوم مناوشات، وكانوا طائفة خرجت من جيشه، في وقت يحارب أعداءه، وكان يتربص بهم حكم الله فيهم، وأن يحسهم حسا بسيفه فرحا بذلك، مستبشرا بما سيجريه الله على يديه من الخير العظيم بإنكار منكرهم العظيم.

وليس في هذا من الدلالة من شيء على أن الإمام له أن يأذن بإظهار البدع، أو يقر الدعاة إليها فلا يأخذ على أيديهم! عجبا لهذا الاستدلال ما أضعفه، وأبعده عن الفهم الصحيح!

بل ما يجب على الإمام العادل؛ من منع إظهار البدع، أعظم مما يجب من منع إظهار المعاصي، فالولايات أصلا لم تنصب إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقدم.

وقد كان علي رضي الله عنه، يمنع ويعاقب على بدع أدنى من بدع الخوارج.

كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وروي عنه بأسانيد جيدة أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري، وعنه أنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجل فضله على أبي بكر أن يجلد لذلك، وقال عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل - لما ظن أنه من الخوارج: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك، فهذه سنة أمير المؤمنين علي وغيره قد أمر بعقوبة الشيعة، الأصناف الثلاثة، وأخفهم المفضلة، فأمر - هو وعمر - بجلدهم) .

وكذا كانت سنة الخلفاء.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه:(فأما إذا كانت البدعة ظاهرة - تعرف العامة أنها مخالفة للشريعة - كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والجهمية؛ فهذه على السلطان إنكارها؛ لأن علمها عام، كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر وترك الصلاة ونحو ذلك.

ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئا - عند الجهال - لكلام أهل العلم والسنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها حتى تكون العقوبة بعد الحجة.

وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة، قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .

ولهذا قال الفقهاء في البغاة إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها، كما أرسل علي ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به، ثم بعد موته نقض غيلان القدري التوبة فصلب) أهـ.

والحاصل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت