فهرس الكتاب
أن التعددية بالمفهوم العصري كفر وضلال مبين، والتعددية - إن جاز هذا الإطلاق - التي وجدت في الإسلام، هي أمر آخر يختلف اختلافا عظيما، بل يتناقض تناقضا تاما مع التعددية في عرف العصر.
مع أنه يجب أن يعلم؛ أن ثمة فرق كبير بين التعاطي مع واقع سياسي مخالف لم يصنعه الإسلام، التعاطي معه بما يحقق مصلحة المسلمين، وبين إقامة أو المشاركة أو الدعوة إلى إقامة هذا الواقع المخالف بإسم الإسلام.
وذلك يشبه من وجه ما يقوله الفقهاء؛ قد يجوز استدامة، ما لا يجوز ابتداء.
وذلك أيضا كما يجوز للمسلم أن يرتكب أدنى الضررين ليدفع أشدهما عند التزاحم، ولا يجوز له أن يصنع الضررين بنفسه، ليختار أدناهما ضررا!
ومن الأمثلة على هذا أن المسلمين لا يجوز لهم أن يطالبوا بقضاء لا يقضي بالشرع، ولا أن يشاركوا في صناعة هذا النظام، لكن إن وجدوا في نظام قضائي يخالف الشرع، جاز لهم التحاكم إليه إن اضطروا لرفع الظلم عنهم، كما رفع نبي الله يوسف عليه السلام شكايته على ظلم الوزير إلى الملك الكافر؛ رسالة مع ساقي الملك الذي يسقيه الخمر.
فالعجب والله كل العجب ممن يقول؛ إن هذه الأحزاب المخالفة للإسلام ودعوتها إلى كفرها وضلالها، واقع ما له من دافع، فلماذا لا نقنن هذا الواقع بما يحميه، وينظمه، ويشرعه؟!
فما مثل هذا القائل - ليت شعري - إلا كمثل من يرى الخمر قد شاع شربها، والفاحشة قد ذاع فعلها، فدعا إلى تشريع ينظم العصابات القائمة على هذه المنكرات، وتنظيمها في ناظم يقننها!
بل الدعوة إلى تنظيم الداعين إلى المنكر في الاعتقادات، والعلم، والتصورات التي تفسد الإيمان، وتقنين دعوتهم، أشد قبحا، لو كانوا يعلمون.
وأخيرا:
فإن هذه التعددية العصرية الزائفة؛ ما هي إلا خداع ألقاه مفكروا الغرب التائهون إلينا، فاغتر به من خضع لضغط هذا الواقع الجاهلي المزيف، لتبقي هذه الأمة في حال الفرقة والخلاف.
أما العالم الغربي فقد بقى متشبثا بالجامع الذي يجمع الأمة، متعصبا له أشد التعصب، متطلعا لفرضه على العالم.
كما قال المفكر الدكتور عبد الوهاب مسيري عن الفكر المادي الغربي بشكل عام:(يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء جميع الأيدلوجيات العلمانية الشاملة - ومثل لها بالليبرالية أيضا - هو ما يسمى"التطور أحادى الخط"- UNILINA r - أي الإيمان بأن ثمة قانونا علميا وطبيعيا واحدا للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر البشرية كافة، وأن ثمة مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية تصل بعدها إلى نقطة تتلاقى عندها سائر المجتمعات والنظم بحيث يسود التجانس، وهذا ما يسمى أيضا"نظرية التلاقي"- CONVE r GENC THEO r Y -
والتلاقي هو تواجد النماذج كلها بحيث تبع نمطا واحدا وقانونا عاما واحدا، هو قانون التطور والتقدم بحيث يصبح العالم مكونا من وحدات متجانسة، ما يحدث في الواحدة يحدث في الأخرى، ويرى بعض المؤرخين أن العصر الحديث هو بحق عصر نهاية التاريخ) أهـ [الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: 267] .
ولهذا فإني لا أجد في وصف هذا الزيف الذي يسمى التعددية أحسن من وصف الكاتب"راسل جاكوب"ي في كتابه"نهاية اليوتوبيا"حيث قال:(فضلا عن أن"مونتييه"الذي ابتكر الشعار؛ عاش حياة لا يمكن أن توصف بالاستقامة، ولقي حتفه مختنقا في مبغى، وباختصار إن الشعار المرفوع كشعار للتعددية الثقافية الأمريكية؛ ليس فقط مفتقدا تراثا كلاسيكيا واضحا، بل مختلطا أيضا بالغموض والفضيحة، وهذا أحد مؤرخي القرن التاسع عشر، حين بحث في هذا التاريخ الشائك، وجدها أمرا مخزيا.
لقد كنا غير محظوظين بشكل استثنائي، في اختيار هذا الشعار، ومن الصعب أن تجد شعارا آخر أكثر ابتذالا، وأقل لباقة منه بالتأكيد، ليس ثمة شعار يمكن أن يكون نابيا وبلا دلالة مثله، شعار ذو أصل حديث مبتذل لا علاقه له بأصل كلاسيكي، شعار بلا مستدعيات أدبية أو تاريخيه، شعار مجرد تماما من أي صدى ديني أو أخلاقي، شعار يمكن أن يعني الإتحاد أو التفكك في أهواء كل فرد، ولسوء الحظ غالبا ما يعني المعنى الأخير لدى واضعيه الأصليين) [ص: 45] .
وينبغي أن يعلم؛ أنه يجب على المسلمين الدعوة إلى الحق الذي نزل به الوحي، والاجتماع عليه، وجهاد ضده.
ثم إن لهم أحوالا:
1)أن يمكنوا في الأرض، فيجب عليهم أن يقيموه كما أمره الله تعالى، بالسلطان القاهر، والسيف الظافر، وأن يجتمعوا على الحق ولا يتفرقوا فيه، وأن يحكموا بين العباد بما أنزل الله تعالى، وأن يجاهدوا في الأرض لإعلاء كلمة الله.
2)أن لا يمكنوا فيجب عليهم الصبر على غربتهم، مع التمسك بالحق دون تنازل عنه، ولا مداهنة فيه، والسعي لتجميع أسباب القوة، حتى يمكن لحقهم ويعلون به على الجاهلية.
3)أن يستجمعوا أسبابا من القوة تمكنهم من الجهاد، فيجب عليهم أن يقوموا به، مجاهدين بالسلاح حتى يصلوا إلى التمكين.