1)لأن الحكم له معنيان؛ حكم تشريعي، وحكم تنفيذي، فبأي معنى يَحْكُم الشعب؟ لا يمكن أن يَحْكُم بالمعنى الثاني؛ لأن الشعب لا يمكن أن يكون كله رأس دولة أو مجلس وزراء أو قائد جيش.
وكان الفيلسوف الفرنسي"روسو"أول من سخر من الديمقراطية بمعنى الحكم التنفيذي، فقال: (إذا أخذنا العبارة - يعني كلمة الديمقراطية - بمعناها الدقيق؛ فإنه لم تكن هنالك قطُّ ديمقراطية حقيقية، ولن تكون، إنه من المخالف للنظام الطبيعي أن تكون الأغلبية حاكمة والأقلية محكومة، إنه لا يتصور أن يكون الشعب مجتمعاً دائماً لقضاء وقته في تصريف الشؤون العامة، ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون لجاناً لهذا الغرض إلا بتغيير شكل النظام الإداري) [4] .
2)لم يبق إذن إلا الحكم بمعنى التشريع؛ لكن الشعب ليس هو المشرِّع في الديمقراطية النيابية، وإنما هو الذي ينتخب من يشرع.
ومرة أخرى نستمع إلى"روسو"ساخراً من هذا: (إن الأمة الإنجليزية تعتبر نفسها حرة، لكنها مخطئة خطأ فادحاً، إنها حرة إبَّان فترة انتخابات أعضاء البرلمان، وبمجرد أن ينتخبوا؛ فإن العبودية تسيطر عليها، فلا تكون شيئاً، وكيفية استفادتها من لحظات الحرية القصيرة التي تستمتع بها تدل حقاً على أنها تستحق أن تفقدها) [5] .
3)لأن نواب الشعب ليسوا هم الشعب، حتى لو كان اختياره لهم بالإجماع، ربما كان هذا معقولاً لو أن النواب يجتمعون للبت في قضية واحدة يعرف كل منهم رأي ممثليه فيها، أما والقضايا كثيرة ومعقدة وبحاجة إلى علم لا يتأتى لعامة الناس؛ فإن الحكم لا يكون حكم الشعب... نعم! إن كل نائب منهم يتجنب المشاركة في تشريع يعلم أن أكثر الناس في دائرته الانتخابية لا توافق عليه، وأنه إن شارك فيه فربما يفقد مقعده في الانتخابات التالية، لكن هذا قليل جداً من كثير.
4)والمنتخبون لا يكونون في الواقع منتخبين بالإجماع الذي يقتضيه وصف الحكم بأنه حكم الشعب، وإنما ينتخبون بالأغلبية، والأغلبية ليست هي الكل، وما ترتضيه الأغلبية في دائرة معينة قد لا ترتضيه الأغلبية في دائرة أخرى، أو قد لا ترتضيه أغلبية الشعب لو كان انتخابه مباشراً، لكنه مع ذلك يعد ممثلاً للشعب وحاكماً باسمه.
5)ثم إن الأغلبية لم تكن في بداية الديمقراطية هي أغلبية الشعب كله، فقد استثنوا منها النساء، واستثنوا بعض الفقراء، واستثنى الأمريكان الأرقَّاء.
فلم يدخل النساء في مفهوم الشعب الحاكم الذي يحق له أن يصوِّت إلا في عام 1918م في بريطانيا، وعام 1920م في الولايات المتحدة.
ولم يُعطَ السود هذا الحق إلا بتعديل للدستور الأمريكي في عام 1886م.
ولكن حتى بعد شمول مفهوم الشعب الحاكم لكل المواطنين باستثناء الأطفال، ظلت بعض الفئات محرومة من حق المشاركة في الانتخابات.
استمع إلى ما يقول هذا المؤلف الأمريكي في كتاب له حديث عن الديمقراطية: (ملايين من الناس يبقون فاقدين حق التصويت كلياً أو جزئياً، مئات الألوف من المواطنين الذين يعيشون في واشنطن العاصمة، مليون ونصف مليون ممن ارتكبوا جنحاً وعوقبوا على ارتكابها، لكن ولاياتهم تحرمهم رغم ذلك من التصويت، عدة ملايين من الذين يعيشون في بورتوريكو وأقاليم فيدرالية أخرى، والملايين غير المحددة في أمريكا كلها الذين تضيع أوراق تصويتهم، أو تحسب خطأ، أو تحطم في كل انتخاب) [6] .
7)وبما أن الانتخابات في أمريكا إنما يشارك فيها من سجل اسمه للمشاركة فيها قبل بدئها، وبما أن كثيراً من الناس لا يسجلون أسماءهم؛ فإن الأغلبية إنما تكون أغلبية من صوتوا ممن سجلوا ممن يحق لهم أن يصوتوا.
وقد كانت هذه النسبة في انتخابات عام 2000م كالآتي، كما جاء في تقرير حكومي رسمي: (من مجموع عدد الناس البالغ 203 مليون والذين كانت أعمارهم 18 عاماً أو أكثر، 186 مليوناً منهم مواطنون، سجل منهم للانتخابات 130، وصوَّت منهم 111، وعليه فقد كانت معدلات تصويت السكان الذين أعمارهم 18 عاماً أو أكثر 55% من مجموع السكان، و60% من المواطنين، 86% من المسجلين) [7] .
الديمقراطية الليبرالية:
هنالك أمر لا يتفطن إليه كثير من الناس؛ هو أن الديمقراطية في البلاد الغربية ليست ديمقراطية خالصة مطلقة، وإنما هي ديمقراطية مقيدة بالليبرالية.
ما معنى هذا؟
الليبرالية نظرية سياسية فحواها؛ أن المجتمع يتكون أساساً من أفراد، لا من طبقات ولا من أسر ولا من أي تجمعات أخرى، وبما أن الفرد هو أساس المجتمع، وبما أن له - بوصفه فرداً - حقوقاً أهمها حريته، فإنه لا يجوز للحكومة ولا لفئة من الشعب، بل ولا لأغلبية الشعب أن تتغول على حريته.
ولذلك فإنهم يدعون إلى ما يسمونه بالحد الأدنى من الحكومة، أي إن الأساس هو أن يترك الأفراد أحراراً يختارون ما شاؤوا؛ فعلى الدولة أن لا تتدخل إلا تدخلاً اضطرارياً الغرض منه حفظ حقوق الأفراد التي قد يتغول عليها بعضهم، ويحذرون لذلك مما يسمونه بدكتاتورية الأغلبية.