فهرس الكتاب

الصفحة 21889 من 27364

كنت أنوي الاستدلال على ذلك بكتابات عدد من الساسة والمنظرين الغربيين ولا سيما الأمريكيين منهم، لكن أغناني عن كل ذلك كلام وجدته لواحد منهم معروف اسمه"ليبمان"، قال عنه مقدمو الكتاب الذي نشروا فيه مجموعة من مقالاته، والذي ننقل منه النصوص التالية: (إنه ربما كان أعظم مفكر سياسي أمريكي في القرن العشرين) [8] .

فإليك بعض ما قال مما نحن بصدده:(يجب في رأيي أن نرفض القول بأن مبادئ الحرية والعدالة والحكم الصالح إنما تتمثل في حكم الأغلبية.

هنا يكمن أصل المسألة، لقد كان [الرئيس] "واشنطن"يعتقد أن الشعب يجب أن يحكم، لكنه لم يكن يعتقد أنه بسبب حكم الشعب تتحقق الحرية ويتحقق العدل والحكم الصالح، كان يعتقد أن الشعب ذا السيادة لا يؤتمن - كما لم يؤتمن الملك ذو السيادة الذي كان هو خلفاً له - على السلطة المطلقة.

إنه لم يخدع نفسه، إنه لم يكن يؤمن بما صار الآن الأديولوجية الديمقراطية السائدة؛ أن كل ما رأت جماهير الناس أنها تريده فيجب أن يقبل على أنه الحقيقة.

لقد كان يعلم أنه لا ضمان من أن يتحول حكم الشعب إلى حكم قهري، تعسفي، فاسد، ظالم وغير حكيم.

إن الشعب أيضاً يجب أن يكبح جماحه، إنه كغيره يجب أن يحاسب، إنهم كغيرهم يجب أن يُعلموا، إنهم كغيرهم يجب أن يُرفعوا فوق مستوى سلوكهم المعتاد) [9] .

سيقول الديمقراطي الملتزم بمبدئه؛ لكنكم بهذا تضعون سلطة فوق سلطة الشعب، والمبدأ الديمقراطي هو أن السلطة للشعب، فلا أنت إذن يا"ليبمان"ولا"واشنطن"من قبلك بديمقراطيين.

سيرد"ليبمان"؛ بأنكم تحاجوننا بالديمقراطية الخالصة التي تؤمن بسيادة الشعب إيماناً مطلقاً، لكن الديمقراطية التي أتحدث عنها وأدعو إليها هي الديمقراطية الليبرالية التي تحد من هذه السلطة.

سيذهب بعض الليبراليين الذين جاؤوا من بعد"واشنطن"بعقود إلى أبعد مما ذهب إليه، فيؤكدون أن الليبرالية عندهم هي الأساس، وأنه إذا حدث تعارض بينها وبين الديمقراطية فينبغي التضحية بهذه لا بتلك.

فهذا هو المفكر الليبرالي"هايك"يقول - بعد أن دافع عن الديمقراطية دفاعاً قوياً، وبعد أن بين ضرورة الليبرالية لها في كتاب له نال شهرة واسعة قبل خمسين عاماً: (لا أريد أن أجعل من الديمقراطية وثناً يُعبد؛ فربما يكون حقاً أن جيلنا يتحدث ويفكر أكثر مما يجب عن الديمقراطية، وأقل مما يجب عن القيم التي تخدمها... إن الديمقراطية في جوهرها وسيلة، إنها أداة عملية لضمان الأمن الداخلي والحرية الشخصية، فليست هي بهذه المثابة معصومة ولا مضمونة، كما يجب أن لا ننسى أنه كثيراً ما تحقق قدر من الحرية الثقافية والروحية في ظل حكم مطلق أكثر مما تحقق في بعض الديمقراطيات) [10] .

موقفنا من النظم التي تسمى بالديمقراطية:

النظم السياسية التي تسمى بالديمقراطية ليست هي إذن ديمقراطية - بمعنى أن الحكم فيها للشعب - وإنما هي نظم سياسية مختلفة، وإن كان بينها خصائص مهمة مشتركة.

فمن الخطأ إذن تعريف الديمقراطية؛ بأنها نظام الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو فرنسا أو غيرها من الدول الغربية.

وعليه؛ فإذا كان من حق هذه الدول أن تجتهد وتختار لنفسها ما تراه مناسباً لها من تفاصيل المؤسسات والقيم السياسية، مع أنها جميعاً تتسمى بالديمقراطية، أفلا يكون من حقنا أيضاً أن نختار من المبادئ والقيم السياسية ما نراه مناسباً لهويتنا وواقعنا ووسيلة أحسن لتحقيق أهدافنا، سواء كان فيه ما يشابه النظم الديمقراطية أو يخالفها؟

بلى! بل إن هذا لهو المسلك الطبيعي لكل أمة تقضي بعقلها وتحترم نفسها وتعتز بهويتها وأصالتها.

وعليه؛ فإذا أرادت دولة من دولنا أن تختار لنفسها نظاماً تراه معبراً عن هويتها ومناسباً لعصرها، فيجب أن تبدأ بتقرير المبادئ والقيم التي تريد للدولة أن تلتزم بها، ثم تبحث بعد ذلك عن المؤسسات المناسبة لعصرها وظروفها التي يمكن أن تحمل تلك القيم وتعبر عنها.

يمكنها - مثلاً - أن تقول؛ إنها تريد لدولتها أن تتميز بخصائص منها اختيار الأمة لحاكمها، وسيادة حكم القانون، وحرية الرأي، وأن يكون كل هذا في نطاق ما تؤمن به من منهج في الحياة لا يلزم أن يكون مماثلاً لمناهج الحياة الغربية.

فإذا كانت أمة مسلمة؛ جعلت كل ذلك في نطاق هدي الكتاب والسنة، وأضافت إليه أموراً مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الدين والدفاع عنه، وهكذا.

إنه لا يلزم من موافقة الديمقراطية الليبرالية الغربية في بعض الجزئيات أن يأخذ الموافق سائر ما فيها، أو أن يتبنى فلسفتها، أو يتسمى باسمها.

ثم إن ما في الديمقراطية من حسنات ليس خاصاً بها ولا مرتبطاً بها، بل يمكن أن تخلو هي منه، كما يمكن أن يوجد في غيرها، بل قد وجد الكثير منه حتى في حياة جاهليتنا العربية! لكن المجال الآن ليس مجال التوسع في هذا الأمر.

ذو الحجة / 1424 هـ

[4] العقد الاجتماعي، الكتاب الثالث، الفصل الرابع، ص 239.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت