فهرس الكتاب

الصفحة 21895 من 27364

ومن الأدلة قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ} [التوبة: 37] ، فبين تبارك وتعالى أن الكفار الذين يحلون ما حرم الله؛ قد ازدادوا كفرا بتشريعهم على كفرهم الأصلي.

وقال تبارك وتعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ، فحرم وحذر من مانعين يمنعان من الحكم بما أنزل الله، أولهما؛ خشية الناس، والثاني؛ الطمع في الدنيا والرغبة فيها، ثم بين تعالى بحكم صارم واضح؛ أن من لم يحكم بما أنزل الله {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .

وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ، وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] .

والكفر والظلم والفسق تذكر في القران والسنة، ويراد بها في مواطن؛ الكفر الأكبر المخرج من الملة، والظلم الأكبر المخرج من الملة، كقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، والفسق الأكبر المخرج من الملة، كقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة: 20] .

وتأتي كلمات الكفر والظلم والفسق في مواطن، ويراد بها المعصية.

فإذا كان الحاكم مبدلا لشرع الله تعالى ومحكماً للقوانين الوضعية في عموم الحياة، أو في بعضها، فهذا كفره وظلمه وفسقه؛ مما يخرج من الملة، فإن التشريع؛ من خصائص الألوهية، فمن ادعى الألوهية أو دعا الناس إلى عبادة غير الله في الحكم والتشريع وألزمهم بها؛ فهو طاغوت، كافرٌ، محاربٌ لله ورسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان من حكم بالتوراة المحرفة المنسوخة بدلاً من القران؛ يَكْفُرُ ويخرجُ من الإسلام، فكُفْرُ من حكم بالقوانين الوضعية من الحكام في العالم الإسلامي من باب أولى.

قال الإمام ابن كثير: (ومن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟! ومن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين) اهـ.

وأما الكفر دون كفر، الذي لا يخرج من الملة، فهو أن يكون الإسلام هو الحاكم في البلاد، ولكن الحاكم ظلم ولم يحكم بما أنزل الله في قضية محددة معينة، ولم يشرّع قانونا لمثل هذه القضية أو غيرها.

ومن الأدلة على أن التحاكم لغير الله؛ من الكفر والنفاق الأكبر، قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 59 - 62] .

فجعل الرد إلى الله ورسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع؛ شرطا في الإيمان، وذكر كلمة"شيء"في قوله: {فإن تنازعتم في شيء} ، وهي نكرة في سياق الشرط، فتقتضي العموم، فكل شيء تنازع فيه المتنازعون من سياسة أو قضاء أو اقتصاد أو غيرها من شؤون الحياة؛ فالرد فيها إلى كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، ثم بين أن الرد إلى الله تعالى وإلى رسول صلى الله عليه وسلم هو الخير في الدنيا والآخرة، والأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.

ثم جاء بصيغة التعجب من تناقض المنافقين في زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله، ثم يخالفون هذا الزعم، ويريدون التحاكم إلى الطاغوت، فهذا تناقض ونقض لما يدعون، فإن ادعاء الإيمان؛ يقتضي التحاكمَ إلى الله ورسول صلى الله عليه وسلم ، والكفرَ بالطاغوت، وعدمَ التحاكم إليه، كما قال تعالى: {وقد أمروا أن يكفروا به} .

فالواجب الكفر بالطاغوت، وليس التحاكم إليه كحال من يدعي أنه مسلم ثم يريد التحاكم إلى طاغوت الديمقراطية الكافرة.

والطاغوت؛ اشتقاقه من الطغيان، وهو مجاوزة الحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت