فهرس الكتاب

الصفحة 21896 من 27364

قال الإمام ابن القيم: (الطاغوت كل ما تجاوز به الحد، من معبود، أو متبوع، أو مطاع، فطاغوت كل قوم؛ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم الطاغوت، وعن طاعته ومتابعته رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته) ، انتهى كلامه

فالإيمان بالله لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة: 256] .

و"العروة الوثقى"؛ هي الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، والشهادة؛ نفي، وإثبات، نفي الألوهية عن غير الله، وهو الكفر بالطاغوت، وإثبات الألوهية لله، وهو الإيمان بالله، فدل على أن من آمن بالطاغوت لم يحقق لا إله إلا الله.

ثم بين تعالى؛ أن هؤلاء الذين يدّعون الإيمان، ثم يريدون التحاكم إلى الطاغوت - كالبرلمان وغيره - قد أضلهم الشيطان ضلالاً بعيداً، ولقد ضلوا هذا الضلال البعيد؛ لإشراكهم مع الله غيره في التشريع، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} ، وبين أنهم إذا دُعُوا إلى كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم للحكم بينهم؛ صدّوا وأعرضوا عن التحاكم إلى الإسلام.

ثم قال تعالى: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} ؛ أي فكيف إذا حلت بهم مصيبة بسبب ذنوبهم وإعراضهم عن كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ؟ {ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} ؛ أي إن أردنا إلا الإحسان والتوفيق بين الإسلام والأنظمة التي تخالفه - كالديمقراطية والشيوعية وغيرها - والإيمان يقتضي الكفر بالأنظمة المخالفة للإسلام، وليس التوفيق والجمع بينها وبين الإسلام، كمن يرفع شعار"الديمقراطية الإسلامية"وغيرها من شعارات أهل النفاق.

والمنافقون يتصفون بسوء الظن بشرع الله تعالى، ويظنون أن الشريعة لا تناسب هذه المرحلة، أو هذا الزمان، وأن أنظمة إخوانهم من النصارى أو اليهود - كالديمقراطية - هي التي تصلح لهذا الزمان، وتناسب تعدّد الطوائف والأديان والقوميات في العراق، ولقد قال الله تعالى في مثل هؤلاء من المنافقين: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 47 - 51] .

فنفى عنهم الإيمان - الذي يتظاهرون به - لتولّيهم عن طاعة الله ورسول صلى الله عليه وسلم ، في قوله: {وما أولئك بالمؤمنين} ، وبين أنهم يعرضون عن التحاكم للإسلام إذا دعوا إليه، ويرغبون بالتحاكم إلى طواغيتهم - كالقوانين وغيرها - وأنهم لا يقبلون من شرع الله إلا ما وافق أهواءهم، فإذا وافق الحكم أهوائهم؛ انقادوا إليه.

ثم ذكر تعالى سبب إعراضهم عن شرع الله، فقال: {أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور: 50] ، أي أفي قلوبهم مرض النفاق والكفر؟ أم ارتابوا - أي شكّوا في الإسلام -؟ أم خافوا أن يظلمهم الله ورسوله في الحكم؟ بل أولئك المنافقون هم الظالمون المائلون عن الحق والعدل.

ثم بين حال المؤمنين في مقابل حال المنافقين، فقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] .

فدلت الآيات على أن سوء الظن بشرع الله تعالى وإحسان الظن بأحكام الجاهلية؛ هو من صفات أهل النفاق من دعاة الديمقراطية الكافرة وغيرها.

وقد قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49 - 50] ، فليس هناك إلا حكمان، حكم الله تعالى، وحكم الجاهلية - وهو ما خالف الإسلام من الأنظمة والأحكام - ولا يعلم حسن الإسلام إلا من عمر الله قلبه باليقين والإيمان، وأما من حجب فطرته وقلبه بالكفر والنفاق؛ فلا يؤمن برسالة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت