فهرس الكتاب
[الكاتب: أبو بصير الطرطوسي]
الديمقراطية Democ r acy كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين Demos الشعب، و K r atos سلطة. ومعناها الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب، وتُطلق على نظام الحكم الذي يكون الشعب فيه رقيباً على أعمال الحكومة بواسطة المجالس النيابية، ويكون لنواب الأمة سلطة إصدار القوانين [5] ، وتتم عملية انتقاء القوانين والتشريعات بحسب اختيار الأكثرية لها من أعضاء مجلس النواب [6] .
ومنه نعلم أن الديمقراطية تعني - عند أربابها وصانعيها - حكم الشعب نفسه بنفسه، وتعني اختيار الشعب، والاحتكام إلى الشعب عند حصول النزاع والاختلاف، فالشعب سلطة عليا لا تعلو سيادته سيادة، ولا إرادته إرادة بما في ذلك إرادة الله عز وجل [7] ، التي لا اعتبار لها، وليست لها أية قيمة في نظر الديمقراطية والديمقراطيين!
والديمقراطية ظهرت في أوربة كنظام حاكم - إثر الثورة الفرنسية - نتيجة للظلم الكنسي، والإرهاب الفكري والجسدي الذي مارسته الكنيسة - بمقتضى اختصاصها بالحق الإلهي المقدس المزعوم - بحق الشعب، وبخاصة منهم العلماء والمفكرين الذين خالفوا الكنيسة في كثير من المسائل العلمية، حيث كانت لهم الاجتهادات والتفسيرات لبعض الظواهر العلمية التي تعارض وتغاير ما كانت عليه الكنيسة، وهذا أمر لم تكن الكنيسة - يومذاك - أن تتحمله أو تُطيقه، فحملهم ذلك على تصفية وتعذيب كل مخالف للكنيسة وتعاليمها؛ ومحاكم التفتيش وما كان يجري فيها من مجازر وقتل وتعذيب وحشي، وأحكام صورية ترعها الكنيسة وتقوم عليها، ليست أخبارها عن المسامع ببعيدة...
في هذه الأجواء ظهرت الديمقراطية الحديثة، فجاءت ناقمة على تعاليم الكنيسة وكل شيء اسمه دين، ووقفت الموقف المغالي والمغاير لتعاليم الكنيسة، وما كانت تفرضه الكنيسة على العباد باسم الله، حيث كانت تزعم لنفسها الحق في التكلم نيابة عن الله، وهذا ليس لأحدٍ سواها!
فعملت الديمقراطية على نزع سلطة السيادة عن باباوات الكنيسة لتجعلها حقاً خالصاً لباباوات المجالس النيابية بزعم تقرير مبدأ سيادة الأمة والشعب، ففرت من سيادة مخلوق إلى سيادة مخلوق آخر، ومن ألوهية مخلوق إلى ألوهية مخلوق آخر؛ لكن في المرة الثانية جاءت ألوهية هذا المخلوق - بعيداً عن الكنيسة والدين - باسم الشعب والأمة كما زعموا!
فكانت الديمقراطية بذلك أول من تبنى عملياً مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة، ورفعت الشعار المعروف: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله [8] .
وقالت: لله فقط الصلوات في زوايا المعابد والصوامع، وما دون ذلك فيم يتعلق بجميع مرافق الحياة السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والتشريعية وغيرها من مجالات الحياة فهي ليست من خصوصيات الله، وإنما هي من خصوصيات قيصر المتمثل في صورة الشعب ومَن ينوب عن الشعب، فما لله لله، وما للشعب للشعب، وما يصل لله يصل للشعب؛ حيث للشعب كامل الصلاحيات والحق في التدخل في شؤون المعابد والمساجد وسياستها وغير ذلك مما جعلوه لله بزعمهم، بينما ما يصل للشعب فهو لا يصل إلى الله ولا يحق له البت فيه... تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!
صدق الله العظيم: {فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] .
كذلك فإن الديمقراطية - كنظام ودين - قد أعطت تفسيراً خاصاً بها عن الوجود وواجب الوجود والحياة، وعن علاقة الإنسان بخالقه وغير ذلك.
فمن قال: (لا إله والحياة مادة) ، قالت له الديمقراطية: لا ضير عليك، لك أن تعتقد في الله ما تشاء ما دمت ديمقراطياً، وهذه اسمها حرية الاعتقاد!
ومن اعتقد بخالق وإله للوجود، قالت له الديمقراطية: لك ذلك، لكن ليس لك أن تُكره الآخرين على اعتقادك، أو تنكر عليهم - بالقوة - اعتقادهم لو خالفوك في المعتقد، فكل منكم له الحرية في أن يعتقد في الله ما يشاء!
ثم لا يجوز لك إن كنت تؤمن بالله أن تجعل ما هو من صلاحيات الشعب لله... فما لله لله وما للشعب للشعب، والدين لله والوطن للجميع!
ومن أراد كذلك أن يقول ما يشاء، ولو كان قوله فيه سباً لله ولرسوله، فله ذلك وليس لأحدٍ أن ينكر عليه، وهذا اسمه - كما زعموا - حرية التعبير [9] !
ومن أراد أن يزني أو يشرب الخمر أو يفعل ما يشاء - ما لم يحظره القانون الوضعي - فله ذلك، وليس لأحدٍ أن ينكر عليه، وهذا اسمه عندهم الحرية الشخصية [10] !
ومن أراد أن يستغل أو يرابي أو يحتكر، أو يُقامر فله ذلك وليس لأحدٍ في ظل الديمقراطية أن ينكر عليه، لأن هذا عندهم يندرج تحت الحرية الاقتصادية، وحرية التملك والكسب!
لذا نجد أن الديمقراطية ثوب فضفاض يرتديه الجميع - لأنه يخول الجميع التفلت من كل قيد يقيد من نزواتهم وشهواتهم وأهوائهم، ويمكن كل فريق بأن يسير في الاتجاه الذي يهوى ويريد - فمن كان شيوعياً ملحداً لا يؤمن بالله تعالى يقول بالديمقراطية، ومن يؤمن بوجود الله - لكنه علماني - يقول بالديمقراطية، ومن كان وطنياً أو قومياً يقول بالديمقراطية.